من «صالون فلوروس» بدأ الفن الحديث


داخل فضاء «أشكال ألوان» الشاسع والرمادي، غرفة خشبية صغيرة لا تتعدى مساحتها بضعة أمتار، لكنّها حوت أسطورة الفن الحديث كلها: إنّها «صالون فلوروس» الذي شاهدناه ضمن معرض «بورتريهات وصلوات» الذي اختُتم أمس. جهّزت الغرفة لتبدو كأنها خارجة من أوائل القرن العشرين، وتحديداً من باريس ٢٧ شارع فلوروس. على الجدران، وزعت لوحات لأهم رسامي الفن الحديث، لكنّها نسخ عن اللوحات الأصلية، كما هي حال الصالون. هذا ليس مهماً على أي حال. المهم هو قصة «صالون فلوروس»، أحد أهم التجمّعات الفنية التي عرفها التاريخ.
بدأت القصة عام ١٩٠٢، حين هاجر ليو شتاين من أميركا إلى لندن، ففرنسا، ولحقت به أخته جيرترود، ليسكنا معاً في شقة في ٢٧ شارع فلوروس. لدى وصوله إلى باريس، كان ليو يطمح لأن يصبح رساماً، لكنه سرعان ما اكتشف أنه لا يصلح لذلك، وقرر شراء اللوحات كلما سنحت له الفرصة. هكذا، شكّل أول مجموعة مؤلفة من لوحات لسيزان، ورينوار، ومانيه وديغا. كذلك، بدأت جيرترود أيضاً بشراء اللوحات، لكن الخطوة الأهم كانت عام ١٩٠٥، حين اكتشف ليو الإسباني بابلو بيكاسو واشترى له لوحتين. خلال معرض «صالون الخريف» في العام نفسه، تعرّض الفنانون الجدد لنقد قاس بسبب أعمالهم، وأطلق عليهم اسم «الوحشيون» Les Fauves، لكن ليو وجيرترود كانا الوحيدين اللذين قررا شراء أعمال أحد أهم فناني الوحشية: هنري ماتيس. هكذا، دعما بيكاسو وماتيس حين لم يرغب أحد بهما. خلال الأعوام التالية، كانت اللوحات تتكدس في صالون الأخوين، وما لبث أن ذاع صيتهما، فأصبح الجميع يقصدون صالون شتاين لتفقد المجموعة. هكذا ولد «صالون ٢٧ شارع فلوروس». لكن زوار الصالون لم يقتصروا فقط على الفضوليين، بل الأدباء والمفكرون. وإن كان بيكاسو قد تعرّف شخصياً إلى ماتيس عند شتاين، إلا أن هيمينغواي كان أحد المقربين من العائلة أيضاً. قبل اندلاع الحرب العالمية في ١٩١٤، قرر ليو الانفصال عن أخته والاستقرار بين إيطاليا والولايات المتحدة لأسباب عديدة، أبرزها خلاف الاثنين حول مرحلة بيكاسو الجديدة حينها: التكعيبية التي لم تعجب ليو ذا الذوق الكلاسيكي. هكذا رحل ليو، تاركاً لأخته اللوحات الوحشية والتكعيبية ليأخذ معه الانطباعية. الثنائي شتاين كان أول من عرض لوحات لسيزان، وبيكاسو وماتيس حين أدارت أوروبا ظهرها لهؤلاء. وكان على تاريخ الفن أن ينتظر حتى 1936 كي يعرض متحف الفن الحديث في أميركا أعمال هؤلاء في معرض «التكعيبية والفن التجريدي». ذلك المعرض أسس لقصة تاريخ الفن الحديث الذي تبنته أميركا قبل أن تحذو أوروبا حذوها متأخرةً سنوات. في «أشكال ألوان»، شاهدنا نسخاً غير أصلية للوحات لبيكاسو وسيزان وماتيس، لا قيمة فعلية لها، لكن من هناك كتب تاريخ الفن الحديث.

«ما بعد أطلس»: العالم صورةٌ على جدران «بيروت»


يحتضن «مركز بيروت للفن» معرض «ما بعد أطلس» للمتخصص، والفيلسوف الفرنسي جورج ديدي هوبرمان والمصوّر النمسوي أرنو جيسينجر. مشروع يقدّم وسيلة فنية تقارب تعقيد العالم ومسار التاريخ من القرن الـ20 حتى الـ21.
عند دخولك «مركز بيروت للفن» لن تجد أعمالاً فنية أصلية، بل صوراً فوتوغرافية عنها. دهليز مؤلف من صور عملاقة تغلف الجدران في معرض «ما بعد أطلس» للمتخصص في تاريخ الفن والفيلسوف الفرنسي جورج ديدي هوبرمان والمصوّر النمسوي أرنو جيسينجر.
في بدايات القرن العشرين، قام المتخصص في تاريخ الفن الألماني آبي واربرغ (1866 ـ 1929) بتغليف لوحات خشبية بقماش أسود، وعلّق عليها مختارات من حوالى ٢٠٠٠ صورة فوتوغرافية، وقصاصات من كتب وجرائد، لتتمحور كل مجموعة من اللوحات حول ثيمة معينة. كان الهدف تقديم أطلس يجمع المقاربة الفلسفية لهذه الصور ومقاربتها التاريخية ضمن فنون عصر النهضة الأوروبية. يومها، وصفه آبي واربرغ بـ«قصة عن الأشباح للبالغين». وحين توفي واربرغ، ترك خلفه سلسلة قيّمة تدعى «أطلس منيموزين» المؤلفة من ٨٢ لوحة، لا يتوفر منها اليوم سوى صور فوتوغرافية ملتقطة لها.
تلك التجربة لخلق أطلس يحاول قراءة التاريخ عبر الصور بطريقة مختلفة، شهدها التاريخ أيضاً مع داروين في كتابه «التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوان» (١٨٧١) الذي يضم عدداً من الصور الفوتوغرافية التي تحاول أن تبرهن نظرياته العلمية. كذلك منذ عام ١٩٦٨ حتى اليوم، قام الفنان الألماني غيرهارد ريختير بتأليف أطلسه المكوّن من لوحات تحتوي على صور وقصاصات جرائد ومجلات، تعكس مسيرة الفنان وطريقة عمله. «أطلس» ريختير يتألف اليوم من ٨٠٢ لوحة، ولا يزال قيد التطور.
تأثر جورج ديدي هوبرمان بريختير، لكن مشروع «أطلس منيموزين» لواربرغ كان محفزه لتقديم معرضه «أطلس: كيف تحمل العالم على ظهرك» في «مركز الملكة صوفيا للفن» في مدريد عام ٢٠١٠. في المعرض، قدم هوبرمان صوراً من «أطلس منيموزين» إلى جانب لوحات، وصور فوتوغرافية، وكتب فنيّة، وأفلام لحوالى ١٤٠ فناناً وكاتباً ومنظّراً. عبر توليف تلك الأعمال في صالة واحدة، قدّم هوبرمان وسيلة فنيّة تحاول عرض وفهم واستكشاف تنوع وتعقيد العالم كما مسار التاريخ الممتد من القرن العشرين حتى الحادي والعشرين. ثم عاد وقدم المعرض ذاته عام ٢٠١١ في مدينتين في ألمانيا هما كلارلسوه وهامبورغ.
لكن العقبات اللوجستية والمالية أمام نقل المعرض إلى صالات أخرى حول العالم، دفعت هوبرمان إلى طلب المساعدة من صديقه المصوّر أرنو جيسينجر. هكذا، التقط الأخير آلاف الصور الفوتوغرافية للأعمال في المعرض الأساسي. وفي كل مرّة، كانا يختاران عدداً من الصور، ويطبعانها بمقاسات مختلفة للعرض في صالة جديدة تحت عنوان «ما بعد أطلس». وكما يقول ديدي هوبرمان: «بات يمكننا نقل المعرض بأسره في حقيبة واحدة». هكذا جال المعرض على «استديو فرينوا الوطني للفنون المعاصرة» و«متحف ريو للفن» عام ٢٠١٢، واليوم، يتخذ شكلاً جديداً في بيروت. هنا، اختار الثنائي طبع ٣٣ صورة بحجم 3.5 × 2.5 متر، تمّ لصقها على الجدران لتغلف صالة المعرض. في قاعة منفصلة، يقدم جيسينجر عرض صور عن المتخصص بتاريخ الفن الألماني أيضاً ياكوب بوكهارت (١٨١٨ـ ١٨٩٧). أما ديدي هوبرمان، فيقدم فيديو يظهر اللوحة رقم ٤٢ من «أطلس منيموزين»، وإلى جانبه تجهيز فيديو «منيموزين ٤٢» مؤلف من مقتطفات من ٢٥ فيلماً، تتمحور حول ثيمة الألم. مشاهد من أفلام لمخرجين، أمثال: غودار، مخملباف، بازوليني، فاروكي، بارادجانوف، أنجولوبولوس وغيرهم.
لم يبق لنا من «أطلس منيموزين» إلا بعض الصور الفوتوغرافية، ما يحيل إلى نظرية «الهالة» لوالتر بنجامين، وحديثه عن إعادة استنساخ الأعمال الفنية وما تخسره وتربحه خلال تلك العملية. بالطبع لا يقتصر معرض «ما بعد أطلس» على مجرد صور لأسباب لوجستية وتقنية فقط، بل إن المعرض الأصلي «أطلس: كيف تحمل العالم على ظهرك» أصبح بأسره اليوم جزءاً من تاريخ المعرض الجديد «ما بعد أطلس»: تاريخ لوحات، وصفحات، وأفلام تحوَّل منذ لحظة ولادتها إلى تفاعلها مع بعضها البعض في معرض «أطلس» ثم تحولها إلى صور فوتوغرافية في «ما بعد أطلس». اليوم، أصبحت الصور الفوتوغرافية هي العمل الفنّي. خيارات أرنو جيسينجر في الزاوية والإطار لالتقاط الصورة أعطت الأعمال بعداً إضافياً ومجتزأً في الوقت ذاته، ثم إن توليفها واحدة جنب الأخرى وقبالتها أضفى حواراً لم تقصده ربما لحظة ولادتها.
عند مدخل «مركز بيروت للفن» صورة كبيرة من فيلم جان لوك غودار «كارثة» (٢٠٠٨)، أطلق عليها الفنانان اسم «كارثة بالأحمر». يتوقف عندها هوبرمان قائلاً: «بالطبع، ليست مصادفة وضعنا تلك الصورة عند مدخل المعرض في بيروت».
هناك وهناك
في فيلمه «هنا وهناك» (1974)، ينتقد المخرج جان لوك غودار توليف الصور في السينما، لأنه يمنعنا من رؤية الصورة الكاملة، فسرعة التوليف في السينما تؤدي إلى النسيان. إن معرض «ما بعد أطلس» يوقف ذلك التوليف السريع للصور، ويعرضها جميعاً على لوحة واحدة كبيرة، على جدران «مركز بيروت للفنّ»، لكي نتروّى عندها، ونتخذ المسافة الكافية فنحاول عبرها قراءة التاريخ.

«ما بعد أطلس» لجورج ديدي هوبرمان وأرنو جيسينجر: حتى ٢٢ آذار (مارس) ــ «مركز بيروت للفن» (جسر الواطي ــ بيروت) ــ للاستعلام: ٣٩٧٠١٨/01

تراجيديا الوطن كما ترويها ملائكة «زقاق»


من دون مبالغة، نشهد اليوم مرحلة واعدة من المسرح اللبناني تذكّرنا بتجارب شوشو ومسرح الحكواتي وزياد الرحباني، التي نجحت في مخاطبة جمهور أوسع. بعد «مشرح وطني»، تواصل الفرقة الشابة في عملها الجديد «جنة، جنة، جنة»، الحفر في تاريخ الحرب الأهلية وصولاً إلى الراهن المتفجّر.

أكثر ما يؤلم في عرض فرقة زقاق الجديد «جنّة، جنّة، جنّة» إدراكك أنّ الحديث عن تاريخ الحرب الأهلية، ما زال راهناً أكثر من أي وقت مضى. ينطلق العرض من الفينيقيين حتى الحرب الأهلية اللبنانية والحاضر، لكن على الخشبة، فالسرد التاريخي يجري في اللامكان واللازمان، حيث تختلط التواريخ فوق فضاء خشبة لا تنتمي لا إلى هنا ولا إلى هناك.
على خشبة صغيرة، تقف ثلاث نساء (مايا زبيب، دانيا حمود، لميا أبي عازار) ضمن إطار ستارة مخملية زرقاء (سينوغرافيا ابراهم زيتون، وأزياء ريّا مرقص)، ويسردن قصة وطن وصف بالـ «جنّة، جنّة، جنّة». كورس نسائي تراجيدي، كما في التراجيدية الإغريقية، يسرد الوقائع ويمثل صوت ضمير الأحياء والأموات: نحن أو بالأحرى ملائكة التاريخ كما يصفهن والتر بنيامين.
بعد العروض الأخيرة للفرقة مثل «خيط حرير»، و«أليسانة، تدريب على الطاعة»، بدأنا نشهد اعتماد لغة بسيطة وقوالب إخراجية وفنيّة تستمد مفرداتها من الثقافة الشعبيّة كي تقدم مادة عرض تراجيدية ومعقّدة بسلاسة بالغة. في «جنّة، جنّة، جنّة» الذي أخرجه عمر أبي عازار وجنيد سري الدين، تطوّر الطرح ليطاول لغة الفولكلور، فحولته الفرقة إلى فولكلور تراجيدي. يمكننا القول من دون مبالغة بأنّنا نشهد انطلاق مرحلة جديدة وواعدة من المسرح اللبناني، تذكّرنا بتجارب عرفناها مع أمثال شوشو ومسرح الحكواتي وزياد الرحباني التي نجحت في مخاطبة جمهور أوسع من جمهور المثقفين.
بعد عرض «هاملت ماكينة» بنسختيه، قدّمت «زقاق» أعمالاً تتوق إلى التفاعل مع جمهور من مختلف الفئات الاجتماعية والثقافية من دون التخلي عن القيمة الفنيّة. ها هي تحقق ذلك اليوم في «جنّة، جنّة، جنّة». عناصر عديدة انصهرت في بعضها مؤمّنةَ ذلك النجاح. ولا بدّ من التوقف عند إبداع هاشم عدنان في كتابة النصوص الجماعية في العرض. لغة بسيطة مقفاة أشبه بالزجل الشعبي، والمغنّى، تسرد قصة التاريخ كما هو بحقائقه وأسمائه من دون مواربة أو مداراة لـ «الحساسيات» الطائفية.
منذ المشهد الأول ومع ترداد لازمة «في يا ما في، بهالزمان المكتفي»، يتناوب الكورس النسائي على سرد التاريخ الكارثي لهذا الوطن. ما فعله عدنان بجدارة مع الفرقة، هو تحويل المفردات الفولكلورية المعتمدة عادة في التغنيّ بالجمال والسعادة إلى سرد الكارثة والتراجيديا. إنه فولكلور تراجيدي بامتياز. قوة تلك اللغة تكمن في سهولة اختراقها جسد الجمهور سمعاً وإحساساً، إذ إننا تشربنا تلك اللغة الفولكلورية منذ الصغر. لذلك فهي تخاطبنا بلا حواجز. اعتماد تلك اللغة في العرض يضمن استعداد المتلقي لها وانفتاحه عليها، لكن هذه المرة جاءت لتسرد الكارثة. حروب وقتل ودم وتفجير وخطف، تاريخ وقح يسرده العرض بفجاجة ضمن قالب نص فولكلوري تراجيدي مقفى ومغنّى. يتقلّب النص بين التاريخ العام للوطن، والتاريخ الخاص للمؤديات. يمتزج تاريخ ميلاد الوطن بتواريخ ميلاد الممثلات، وخطف أقربائهن وموت آخرين وتاريخ حرب شهدت خطف واختفاء وقتل الآلاف من دون معرفة ذويهم مصيرهم حتى اليوم. ذلك المزج بين العام والخاص يعيد تذكيرنا بأننا جميعاً ـ مهما اختلفت طوائفنا وتوجهاتنا ـ نتشابه في مصيرنا أمام الكارثة. أما تأريخ العرض في اللازمان، حيث تختلط السنوات والتواريخ، فيؤكد على الدوامة التاريخية المغلقة التي نعيشها وتتكرر فيها الأحداث والمصائب. مع ذلك، لا يخلو النص من لحظات ترسم ابتسامة أو ضحكة عالية، لكن الأجدى وصفها بالمأساوية بدلاً من الكوميدية. إخراجياً، جرى تظهير الجانبين التراجيدي والفولكلوري في خيارات بسيطة تمثّلت في الحركة وتموقع الكورس في وضعيات مختلفة تؤلّف تنويعات على لوحات الكورس الإغريقي أو ملاك التاريخ في لوحة بول كلي. هكذا حملت النساء الثلاث النص بأجسادهن الشاهدة على التاريخ، وقدمنه في أداء متقن وبسيط وبليغ من دون مبالغة، بل إنّهن سردن الفظائع ببرودة قاسية، وانفصلن أحياناً عن الكورس، لتسرد كل واحدة تاريخها الشخصي مع ابتسامة صغيرة ومؤلمة.
«جنّة، جنّة، جنّة» يستكمل البحث الذي بدأته «زقاق» مع عرض «مشرح وطني» (الأخبار 19/12/2012) حول التاريخ. يأتي هذا العمل كجزء من مشروع يجمع الفرقة مع جمعية War Child Holland منذ 2013 و«مركز الديمقراطية المستدامة» (SDC) ونوادي المواطنة والسلام، وبتمويل من Liberty Foundation. يقدم العرض في «استديو زقاق» (العدلية) لأربع ليالٍ، لكنه سيجول على مختلف المناطق اللبنانية حاملاً معه تراجيديا تاريخ ذلك الوطن وأسئلته الموجعة. تراجيديا إن قبلنا يوماً أن ننساها ونعفو عنها كما يُطلب منّا كل يوم، فإننا بذلك نكتب بأيدينا الحياة للمجرمين والموت لنا.

زمن الانتحاريين
يقول كاتب نصّ «جنة، جنة، جنة» هاشم عدنان لـ «الأخبار» إنّه كان يستحيل ضمن ما نعيشه اليوم في لبنان والمنطقة أن يجد فعلاً درامياً واحداً يمكن تجسيده في النص. لذلك اقتصر العرض على فعل السرد. لكن العمل قائم على فعلين في الحقيقة: فعل الشهادة للتاريخ نصاً وفعلاً في زمن التجاهل والنسيان، وفعل العمل المسرحي المستمر لفرقة «زقاق» في زمن حوّل فيه الانتحاريون والتكفيريون الفعل إلى فكرة عبثية.
---
«جنة، جنة، جنة»: بدءاً من 6 حتى 9 شباط (فبراير) ــ «استديو زقاق» (العدلية، بيروت) الدخول مجاني ـ للاستعلام: 76/863415


Mondial 2010 at the Forum Expanded,

People in Berlin here are the dates

Screenings

Feb, 10 at 18:30 / Kino Arsenal 1
The screening will be followed by a talk and a Q&A

 Feb, 9 at 22:00 (with accreditation only) / CinemaxX 3 – Queer Shorts 2014

Feb, 16 at 17:00 / Kino International – Teddyrolle

  Feb, 8 - 10 - 12 - 14 - 16  
at 13:30 / Berlinische Galerie Video lounge

Panel

 Feb, 13 at 14:30 / THINK: FILM NO. 2 / Berlinische Galerie
Marc Siegel, Renate Lorenz and Roy Dib in conversation with Nanna Heidenreich about : Politics of Queer Spaces

To watch the trailer, please visit my website: http://www.roydib.com/film.html



علي شحرور: رقصة البحث عن «فاطمة»


رانيا الرافعي ممددة وأمامة حميدو في مشهد من العرض (حائرة سليم)
على خشبة «مسرح المدينة»، تأخذنا رانيا الرافعي وأمامة حميدو إلى عرض طربيّ قاسٍ، موشّح بالسواد والحزن. الكوريغراف الشاب يعرّف عمله بأنّه ينطلق من الحميمي والخاص ليطرح تساؤلات عن علاقة الجسد بالدين والمجتمع والموروث الثقافي.
الليلة، ترقص فاطمتان وتندبان وتفرحان بجسديهما على خشبة «مسرح المدينة». «فاطمة» عرض طربيّ قاسٍ، موشّح بالسواد، سيسكرنا بالحزن من توقيع الكوريغراف علي شحرور (1989). تكمن أهمية العرض في أنّه يقترح بحثاً في لغة رقص بعيدة عن مفردات الرقص المعاصر ومدارسه الأوروبية والأميركية. عرض يبحث عن لغة وحركة جسد نابعتين من مجتمعنا وثقافتنا.
لذلك، اختار علي شحرور هذه المرة العمل مع راقصتين غير محترفتين بحثاً عن حركة عفوية نابعة من التجربة الخاصة لجسدي الراقصتين. تخصّصت رانيا الرافعي في السينما. أما أمامة حميدو، فتخرجت من كلية المسرح في الجامعة اللبنانية. هكذا، يستعير العرض لغته من الحياة اليومية بحثاً عن الجماليات الكامنة فيها. «فاطمة» يتكلم عن النساء، وأجسادهن، وحركتهن. كان طبيعياً أن يتوجه البحث إلى حالات يتجلى فيه جسد المرأة المشرقية بعيداً عن القيود الاجتماعية والدينية. حرية جسد المرأة نجدها عادةً في سياقات مثل الفرح، وخصوصاً في الرقص البلدي وما يتضمنه من إيحاءات جنسية متفلتة ومكبوتة في آونة واحدة. كذلك نجده في العزاء، حيث لا رقيب بطريركياً على امرأة تتفجع نواحاً ولطماً ولو وصل بها الأمر إلى الكشف عن رأسها وتمزيق ثيابها. في الحالتين، نشهد تحرر جسد المرأة ضمن الحيز العام، وعلى مرأى من العين البطريركية التي تحرم ذلك التحرر في أغلب السياقات العلنية الأخرى. أهمية فعل شحرور أنه لم يبحث عن حركة جسد غريبة عن ثقافتنا، بل نقل المفردات الحركية التي ينتجها تحرّر جسد المرأة المشرقية في سياقات محددة إلى الخشبة، ثم عمل مع الراقصتين على تكرار تلك الحركات بحثاً عن الجماليات الكامنة فيها وتظهيرها ثم تطويرها.
عبر نزع تلك اللغة الجسدية من سياقات اجتماعية علنية، ونقلها إلى سياق علني آخر يدعى خشبة المسرح، ألغى شحرور السياق الاجتماعي وما يلحق به من مبررات وتحفظات، ووضع الجمهور في مواجهة مباشرة مع لغة حركية صافية. أصبح المشاهد في مواجهة مباشرة مع حركة مثل اللطم، قد يكون اعتاد علاقة تربطه بها كمتفرج أو مساهم في سياقات معينة، لكن وضع الحركة الآن تحت الضوء وخلف الجدار الرابع يعيد التركيز على خصائص أخرى في الحركة كجماليتها ونوعيتها وأثرها على جسد الراقص وجسد المتفرج. 
في «فاطمة»، تنطلق الراقصتان بحركة اللطم الاعتيادية وتصعدان سرعة الحركة والتكرار، ثم تستعيران من الدراويش حركة الدوران حول الذات، وتتبرجان وترقصان الرقص البلدي، وتنتحبان، وتندبان وتلطمان وتفرحان. لا يلغي العرض الإحساس المرافق لكل حركة، محوّلاً إياها إلى حركة ميكانيكية، بل على العكس تنقل الراقصتان الإحساس المرافق لكل سياق بحد ذاته، فتَنتج مشاهد بليغة بإحساسها وتأثيرها على الجمهور أكانت حزينة وقاسية أم مفرحة. تكرار الحركة وتصعيدها يوصلان الراقص والمتفرج إلى النشوة. وكما نغرق في جمالية التفاصيل في الأغنية الطربية الشرقية، كذلك في «فاطمة»، حيث نغرق في أصغر التفاصيل الحركية لتكتسب الحركة جمالية خاصة تصل إلى النشوة.
تلك العلاقة بالحالة الطربية، تتجسّد في خيارات الكوريغرافيا عبر مشاهد منفصلة، كما في تركيبة الأغنية الطربية، تقدم الراقصتان الحركة الأساسية في كل مشهد، ثم تعمدان إلى التكرار والتطريب على الحركة، كمن ينتشي في تنويع «العِرب» الحركية. وإذا كانت لحظات الصمت من العناصر الأساسية في الأغنية الطربية لبناء التصعيد، ففي «فاطمة» مساحة أساسية للصمت المتجسد في لحظات أيقونية صامتة تقدمها الراقصتان أحياناً. تلك الصورة الأيقونية في سكونها تتساوى مع الحركة المتكررة. في الحالتين، تشعر بأن الوقت توقف أو امتد إلى ما لا نهاية. من هنا، كان طبيعياً أن يقع الخيار الموسيقي على أغنيات لأم كلثوم.
في روايته «سينالكول»، يقول إلياس خوري كمن يكتب دراماتورجيا عرض «فاطمة»: «لم يرَ كريم والده يبكي إلّا في لحظات الطرب حين يصير صوت المغنية المصرية (أم كلثوم) رحماً كبيرة تتّسع لجميع الرغبات والأحزان». بكاء، رحم، رغبات، وأحزان، تلك هي عناصر عرض «فاطمة». وفي أي أغنية يمكن أن نجدها مجتمعة غير عند «كوكب الشرق»؟ هنا أيضاً يأتي الخيار الموسيقي (توليف ساري موسى) جزءاً لا يتجزأ من البحث في تفاعل الجسد المشرقي مع إنتاجاته الموسيقية. خلال العرض، تلطم الراقصتان على أغنية «أنا وإنت ظلمنا الحبّ» وترقصان البلدي على «ألف ليلة وليلة» وتدوران على «الأطلال»، فيما تشارك أمامة غناءً في بعض المشاهد. وكي تتخذ الحركة مداها وثقلها في انفلاتها أو انحصارها، وتبقى نقطة الارتكاز الوحيدة تحت الضوء (علاء ميناوي)، اختار شحرور ترك خشبة المسرح فارغة إلا من عنصر سينوغرافي (نتالي حرب) في الخلفية.
يقول شحرور عن «فاطمة»: «إنه عرض راقص ينطلق من الحميمي والخاص ليطرح تساؤلات عن علاقة الجسد بالدين والمجتمع والموروث الثقافي»، إضافةً إلى تلك التساؤلات الأساسية والضرورية، نجح شحرور مع رانيا الرافعي وأمامة حميدو في تقديم اقتراحات للغة رقص نابعة من ثقافتنا. وبرغم أنها ما زالت في أولى مراحلها وتحتاج إلى تراكم وتشارك مع تجارب فنانين آخرين تسهم في تطوير مفرداتها وصقلها كي تصب في خلق لغة رقص معاصر شرقية، إلاّ أنها بداية مهمة في هذه المرحلة من تطور عمل الكوريغراف اللبناني الشاب.
--------
نجح علي شحرور في رهانه بالعمل مع راقصتين غير محترفتين. قدمت رانيا رافعي وأمامة حميدو في ”فاطمة“ أداءً ممتازاً في التقنية والإحساس والحضور. ما من لحظة في العرض نشهد فيها أجساداً غريبة عن الفعل والحركة المقدمة على الخشبة، بل نجدنا نتفاعل مع حركة رانيا وأمامة العضوية والنابعة من إنسجامهن مع أجسادهن ونتأثر بإحساسهن الصادق طوال العرض. 
--------
«فاطمة»: 20:30 مساء اليوم وغداً، و1و2 شباط (فبراير) ــ «مسرح المدينة» (الحمرا ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/341470


الجسد الأنثوي ينضح بهويته (الحضارية)

رانيا الرافعي ممددة وأمامة حميدو في مشهد من العرض (حائرة سليم)
زرنا فريق عمل «فاطمة» في «هُنا سنتر» (الحمرا) قبل انتقاله لإجراء الاستعدادات الأخيرة على المسرح. هناك، شاهدنا العرض من دون العناصر السينوغرافية من إضاءة وديكور وفيديو، بل مع الراقصتين فقط بأزياء العرض (ريّا مرقص) والموسيقى المرافقة. علماً أنّ ظروف مماثلة تفضح غالباً عيوب العمل، إذ تظهره عارياً من أي مؤثرات خارجية، وتلقي الثقل على الراقصتين.كان واضحاً أننا أمام تجربة مهمة.
يخبرنا علي شحرور عن بدايات المشروع، التي انطلقت مع فكرة تصميم عرض راقص على أغنيات لأم كلثوم. المخزون الكبير من المشاعر الكامن في الحالة التي تمثلها المطربة وأداؤها وأغنياتها كلاماً ولحناً، دفع الكوريغراف إلى اختيار أغنيات «كوكب الشرق» نقطة انطلاق للعرض. خيار العمل مع راقصتين غير محترفتين، رانيا الرافعي وأمامة حميدو، نتج عن رغبة شحرور في البحث عن حركة الجسد العفوية ضمن موروثنا الثقافي والشعبي. تؤكد رانيا وأمامة أن خلفيتهما الدينية والثقافية أدت دوراً أساسياً في مساهمتهما في العرض. الارتجالات خلال التمارين كانت مبنية على تجربتهما الجسدية الشخصية النابعة من ثقافة ومجتمع إسلامي ولدتا وكبرتا فيه، وخصوصاً أنّ العرض لا يطرح أسئلة مجردة عن ثقافة حركة الجسد في الحيز العام، بل عن حركة جسد المرأة في المجتمعات الإسلامية المشرقية. العنصر الديني ليس جديداً على عروض علي شحرور. في عرضيه السابقين مع الراقصة إيميلي توماس «على الشفاه، ثلج» (٢٠١١) و«دنس، موت صغير، حركة أولى» (٢٠١٢)، كانت العلاقة بين الجسد والحركة والدين وحتى أم كلثوم، محور اهتمام الفنان.لكن في «فاطمة»، نشهد انتقال الكوريغراف إلى مرحلة أكثر نضجاً. قراره بالعمل مع راقصتين غير محترفين، والبحث خارج لغة الرقص المعاصر الأوروبية والأميركية، دفعا به إلى استكشاف مساحات أكثر عضوية وتواصلاً مع الثقافة التي ينبع منها فريق العرض والجمهور. حتى الحركة القاسية التي قد تصل إلى «العنف» النفسي والجسدي وكانت مبالغة أو مسقطة أحياناً في العروض السابقة، وجدت في «فاطمة» مكانها وتفاعلها مع ثقافة ندركها جيداً. يقول شحرور إنّ البحث خلال تركيب العرض استند إلى مراجع في الميثولوجيا الإغريقية كميديا وأنتيغونا، لكن البحث الحقيقي تمحور حول فاطمات تمتد من خسارة فاطمة الزهراء لوالدها الرسول إلى فاطمات أخرى عبر التاريخ.

مع «فاطمة»، ينضم شحرور إلى البحث عن الحركة في الرقص المعاصر الذي يجريه ألكساندر بوليكيفيتش في حركة الرقص البلدي، وخلود ياسين في العلاقة الصافية بين الجسد والإيقاع، ودانيا حمود في بحثها عن الحركة في اللاحركة. تجارب مهما تعثرت أحياناً، إلاّ أنها تبحث في جوهرها عن الحركة لا عن تصميم عرض مبهر، مما يضمن تطور لغات الرقص المعاصر العربي.



نجح المنتج ”عمر راجح“ وأخفق الكوريغراف


تجدون هنا النسخة الكاملة من مقالتي (عذراً، غير المنقحة) التي نشرت في جريدة الأخبار تحت عنوان : "أجساد عمر راجح على سطح مائل". (تم إختصار المقالة في جريدة الأخبار لأسباب تقنية تتعلق بالمساحة القصوى التي تستوعبها الصفحة الورقية للجريدة)     

قدم عمر راجح عرضه الجديد ”وتدور“ على خشبة مسرح المدينة. ميا حبيس وبسام أبو دياب يرقصان على موسيقى شريف صحناوي الحية فوق منصة مستديرة (ناصر السومي)، لا تدور ولكنها تتحول من الوضعية الأفقية إلى العامودية، فيما تعرض على المنصة رسومات مازن كرباج الحيّة أيضاً.
كان من الممكن التغاضي بعض الشيئ، والتركيز ضمن هذه المقالة على الجوانب الإيجابية للعرض، متخذين بعين الإعتبار الظروف الصعبة للإنتاج الفني في لبنان، وتجارب الرقص المعاصر العربي الفتيّ. ومن شاهد العرض يعلم أن لا مشاكل إنتاجية كبيرة وقفت في وجه تصميم السينوغرافيا الضخمة أو التنفيذ التقني. ثم أننا أمام العرض الثالث عشر للكوريغراف والراقص عمر راجح، والمقدم ضمن النسخة العاشرة من ”مهرجان بيروت للرقص المعاصر“. وإحتراماً للدور الرئيسي والمهم الذي لعبه عمر راجح في تأسيس وتطوير الرقص المعاصر في لبنان، وإحتراماً للجمهور اللبناني، وجب تقديم قرائة نقدية، حتى ولو كانت قاسية بعض الشيئ، ولكن قد تكون ضرورية، خاصة بعد ما قرأناه في الصحف اللبنانية حتى اليوم. صوت مختلف مع الأصوات الباقية يحاول طرح الأسئلة، أليست تلك مهمة النقّاد في تلك العلاقة التي تربطهم بالفنانين؟
قبل الولوج إلى العرض مباشرة، لا بد من التوقف عند نقطة أثارت إستغرابنا. في النص المقدم للعرض يلجأ عمر راجح إلى توصيف عرضه الخاص بعبارات مثل ”فريد في مفهومه“ و“مبتكر“ و“جريء“. فمن المؤكد أن هكذا توصيفات لا يستعين بها الفنان (الراقص والكوريغراف)، بل المنتج المروج لعرض فنّي بعبارات طنانة تهدف إلى بيع المنتج على أنه فريد من نوعه ومبتكر وجريء. وإن كان المقصود بذلك السينوغرافيا أو المنصة المتحركة، والعمل مع تخصصات فنية مختلفة، وموسيقى ورسم حيّ على المسرح، وإذا ما تناسينا التجارب العالمية وبعضها المحلّي، فإن الفنان وراء العمل بحد ذاته يعلم أنها ليست المرة الأولى التي يفعلها. فمنذ العرض الأول ”بيروت صفرا“ (٢٠٠٢) جمع عمر راجح موسيقيين مع راقصين وممثلين على المسرح. حتى أن الموسيقيين كانوا يومها على الخشبة فوق منصة متحركة، ويؤدون الموسيقى الحيّة خلال العرض. الموسيقى الحيّة والتجريبية شهدناها أيضاً في عرض ”كونشيرتو ١٣“ (٢٠٠٦) مع رامي وبشار خليفة. أما السينوغرافيا المبتكرة فشهدناها في تعاون راجح مع فادي يانيتورك في الحوض المليئ بالماء في ”إستمناء فكري“ (٢٠٠٤)، والمنصات المتحركة في عدد كبير من عروضه منذ ”بيروت صفرا“ مروراً ب ”حرب على البلكون“ (٢٠٠٣) حتى ”كونشيرتو ١٣“ و“إغتيال عمر راجح“ (٢٠١٠) وغيرها، حيث كان أيضاً دائماً نصيباً كبيراً للفيديو وتفاعل الراقصين مع الصورة، مرسومة كانت أم مولّفة. فهل غلبت شخصية المنتج على الفنان في صياغة النص المقدِم لعرض ”وتدور“؟ 
صراحة، لما كنا قد توقفنا عند ذلك التفصيل اللغوي التوصيفي، لو لم نشعر أن تلك العلاقة الشائكة ما بين المنتج والكوريغراف قد إمتد أثرها على العرض. وهنا لا نقصد المنتج المالي للعرض، بل المنتج الفنيّ. فلنحاول قرائة عرض ”وتدور“ من بابين : الإنتاج الفني، والكوريغرافيا، بهدف الوصل إلى مكامن الضعف في العرض. 
من زاوية الإنتاج الفني، نجد قرار خلق عرض حول فكرة المستحيل. يقول عمر راجح في نصه ”أداء يلعب حول فكرة "المستحيل"، الأوضاع الغير المعقوله، اللتي لا تصدق، واللتي نصادف في حياتنا اليومية. كل شيء يتحرك، يتغير، ويتحول من حولنا“. فكرة العرض آنية، تحاكي الحاضر في تحولاته الكبيرة التي نشهدها في لبنان ومن حولنا منذ إندلاع الثورات في العالم العربي، كما تطال مقاومة العيش في ظل ظروف مستحيلة من الحروب والإنفجارات. عرض يحاكينا، ويحاكي واقعنا بإمتياز. من هنا أيضاً نجد التعاون الذكيّ مع الفنان الفلسطيني ناصر السومي الذي إقترح منصة مستديرة تتحرك من الوضعية الأفقية إلى العامودية، من السطح إلى الهاوية، من الطبيعي إلى المستحيل. سينوغرافيا ليست فقط مبهرة في حجمها وحركتها، وإنما والأهم موظفة في خدمة فكرة العرض، وعبر تأمين الإسقاطات الفكرية والمفاهيمية على قصة العرض الدرامية. أما التعاون مع ناصر السومي بحد ذاته فقيمة مضافة إلى العرض. فالسومي يعتبر من أوائل وأهم الفنانين العرب الذين عملوا في النحت والتجهيز الفني، ولطالما كانت علاقة الفرد بالفضاء المحيط به أحد هواجسه الأساسية. ثم أتى التعاون مع شريف صحناوي ومازن كرباج. إن المتابع لمهرجان ”إرتجال“ أو ”بيروت، صوت وصورة“ وأعمال وعروض الفنانين، لا بد أن ألِف مقاربة الفنانين المميزة للصوت والصورة. وهنا نتكلم عن جمهور خاص ومحدود جداً نسبة للجمهور الذي تستقطبه عروض عمر راجح الراقصة. ومن هنا تأتي أهمية ذلك التعاون الثاني ما بين راجح وصحناوي وكرباج. فمن جهة يؤمّن التعاون تقديم مادتي الصوت والصورة بشكل حيّ بدلاً من أن تكون موسيقى مسجلة أو مشاهد مولفّة. ثانياً يستفيد العرض من عنصر الإبهار الذي يؤمنه مقدرة شريف صحناوي، بشكل حيّ على المسرح تحت الضوء، على إصدار أصوات وتأليف جمل موسيقية لا متناهية من جراء اللعب على الغيتار عبر الطريقة التقليدية أو جميع الطرق الأخرى التي يجدها مناسبة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن شريف صحناوي قدم عرضاً موسيقيّاً قيماً جداً، إمتد على مدة ساعة من الوقت، تميّز في تطور تقنياته وتأليفه الموسيقي الذي إعتمد بشكل أساسي على جمل موسيقية ثابتة تخللها بعض من الإرتجال، وأتت متناغمة مع عناصر العرض الأخرى. أما مازن كرباج فلجأ إلى رسم أشكال مجردّة بواسطة الحبر الصيني، التي كانت تنقل حيّة لتعرض على المنصة المستديرة. بالرغم من أننا عرفنا أعمالاً أخرى لكرباج أهم وأبلغ وأجمل، ولكن بعضاً من الغموض والتجريد لا يضرّ بتركيبة عرض تحاكي ”المستحيل“! تلك العناصر بالإضافة إلى التعاون مع مصمم الإضاءة البريطاني ”جوناثين سامويلز“، كانت جميعها موفقة وناجحة. من هنا نؤكد أهميّة الخيارات الإنتاجية الفنية وراء العرض، الذي إستطاع أن يجد موضوعاً مناسباً، توليف تركيبة مميزة من الفنانين وتوظيف طاقاتهم في خدمة الفكرة الأساسية. المادة الإنتاجية كانت جاهزة لتقديم عرضاً مميزاً لولا إخفاق عنصر الكوريغرافيا.     

تثير كوريغرافيا ”وتدور“ الكثير من الأسئلة. إختار عمر راجح أن يقدم العرض مع راقصين محترفيين: ميا حبيس، وبسام أبو دياب. الراقصان فوق المنصة المستديرة، يرقصان أحياناً معلقين في الهواء بواسطة ونش كهربائي، أو مباشرة فوق المنصة المتحولة من الوضعية الأفقية إلى العامودية. تتمحور الكوريغرافيا حول تفاعل الراقصين فيما بينهما ومع المنصة المتحولة بشكل أساسي، بالإضافة إلى الموسيقى والرسومات. 
لكن للأسف وبدلاً من أن نشهد تصميم كوريغرافي يحاكي سياق العرض، وعناصره الخاصة به وموعوقاته، وجدنا أنفسنا أمام إعادة تدوير لكوريغرافيات سابقة، وجمل حركية وراقصة سبق وشاهدناها مراراً في عروض عمر راجح السابقة. تغير كل شيئ من حول الراقصين بشكل جذريّ، ما عدا الكوريغرافيا. ها هو بسام أبو دياب ضمن صولوهاته خلال طوال العرض يعيد تشكيل والتنويع على الصولو الذي قدمه في ”ذلك الجزء من الجنة“ (٢٠١٣): لا يقوى على الوقوف، جسده يرتجف ويتخبط على الأرض ويلوّن جمله الراقصة ببعض حركات الدبّكة. قد تبدو حالة صولوهات ميا حبيس أكثر إبتكاراً، لكنها لم تتوصل إلى خلق لغة جديدة، ويبقى الفارق أن حبيس تتمتع بتقنية ونوعية حركة أدق وأجمل من زميلها.
لطالما لجأ عمر راجح في كوريغرافيا الصولوهات إلى خلق معيقات داخل جسد الراقص، فنراه يرتجف ويتخبط وتتعطل أجزاء من جسده كترجمة لجميع المعوقات التي تحيطنا في حياتنا اليومية والتي تحولت إلى معوقات داخلية، تسيطر على أجسادنا وحركاتها. لكن في ”وتدور“ ألا يجسد العرض تلك الإستحالات والمعوقات عبر السينوغرافيا المتحدية للجاذبية والموسيقى التجريبية والرسم التجريدي، فلما إعادة توكيد إستحالة الرقص (الفعل) عبر التخبط وعدم القدرة على الوقوف؟ 
ألا يطرح العرض تحدي إستحالة العيش ضمن تلك التحولات؟ إذاً لماذا يظهر الراقصان كمن يعاني ويجاهد للوقوف والرقص فوق سطح مائل؟ 
أما المشاهد المبنية على الثنائي الراقص، فإعتمدت تقنية ال ”Danse Contact“، حيث تتوزع الجاذبية ما بين ثلاث نقاط: جسد الراقصين والأرض. وبما أن الأرض في ”وتدور“ متحركة، فكان لا بد من تطويع الكوريغرافيا في تواصل مختلف ما بين أجساد الراقصين والأرض. لكن الأجساد في ”وتدور“ ظهرت في محاولات دراميّة لإلتقاط توازنها والوقوف على الأرض المائلة، في حالات الإلتصاق كما المتباعدة، وعلى المستوى الأفقي في معظم الأحيان  بدلاً من أن يكون على المستوى العامودي حيث يتشكل تحدي جاذبية الأرض محفزاً لإكتشاف لغة جديدة تتفاعل فيها الأجساد فيما بينها ومع السطوح المائلة / المستحيلة. ولماذا ترفع الأجساد في الفضاء عبر الونوش؟ خاصة أن في ذلك تعارضٌ مع دراماتورجيا العرض المبنية على تحدي المستحيل، فتأتي الونوش كيدّ إلهيّة تنتشل الأجساد لقسط من الراحة، فتعلقها في الهواء بعيداً عن الخطر وعن الإستحالة. ومن ناحية الكوريغرافيا، لم يساهم ذلك الرفع في إضافة ما يذكر على العرض. 
شهد الرقص المعاصر مع أمثال الفرنسي ميشال دوكوفليه، والبلجيكي سيدي العربي الشرقاوي وغيرهم من الكوريغراف العالميين، تقديم كوريغرافيا فوق منصات متحركة تتحدى الجاذبية، أو مع راقصين معلقين في الهواء، وليس بذلك بفريد من نوعه أو مبتكر، ولكنهم بذلك قدموا لغة تتحدى تفاعل الأجساد مع الجاذبية.
وإن كان العرض يطرح تحدي المستحيل، فالكوريغرافيا وقعت في إستحالة الرقص. أما إن كان الهدف إظهار إستحالة الرقص، ألم يكن من الأبلغ تصميم كوريغرافيا كلاسيكية فوق السطح الأفقي وإختبار إستحالتها شيئاً فشيئاً، بدلاً من تمثيل إستحالتها عبر إرتجاف وتخبط مصطنع. ذلك التخبط والإستحالة في الرقص، سبب إستحالة تثبيت العرض في نقطة إرتكاز ما، وتوصلّه إلى لغة فنية محددة وواضحة. أصبح كل شيئ معلّق ومتغيّر ومتخبطّ. لدرجة أنه يمكنك الشعور أن أي حركة كان من الممكن إستبدالها بحركة أخرى، أو أن تتموقع في مكان آخر على المنصة. 

في عرض ”وتدور“ لحظات قليلة شهدنها فيها إختبار مختلف للحركة. مثل عندما إستلقت ميا حبيس على أرضية المنصة على ظهرها، ورفعت رجليها في الفضاء. جسد حبيس فوق المنصة نصف مائل ومعلق في فضاء المسرح، أما رجلاها الخارجان عن المنصة فيتحركان ببطئ محركان الفضاء المسرحي من حولهما، ومتحديان ”عبر خدعة بصرية“ جاذبية الأرض، وإستحالة الرقص والوقوف والسير، إستحالة الفعل ضمن هكذا قيود ومعوقات. تلك هي اللحظات القليلة التي إنتصر فيها جسد الراقص على المستحيل.    

هكذا نجح المنتج الفني وراء عرض ”وتدور“ في جمع جميع العناصر التي كان بإمكانها تقديم عرض مميّز، لكن الكوريغراف أخفق هذه المرة.