‏إظهار الرسائل ذات التسميات رصيف ٢٢. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رصيف ٢٢. إظهار كافة الرسائل

جولة إيكزوتيكية على حق العودة




لمّا شفتك
فلسطين، 2012، ملون، لغة عربية، ساعة و33 د.

المخرجة وكاتبة السيناريو: آن ماري جاسر / المصورة: هيلين لوفار
الممثلون: محمود عسفة (طارق)، ربى بلال (غيداء)، صالح بكري (ليث).
الجوائز:
جائزة NETPAC لأفضل فيلم آسيوي/ مهرجان برلين السينمائي 2013
جائزة لجنة التحكيم/ مهرجان القاهرة السينمائي 2012
جائزة لجنة التحكيم/ مهرجان وهران للفيلم العربي 2012
جائزة دون كيشوت للنقاد/ مهرجان قرطاج السينمائي 2012
جائزة أفضل فيلم عربي ضمن مسابقة آفاق جديدة/ مهرجان أبو ظبي السينمائي 2012 



إنها الأردن عام 1967، مضت أيام قليلة على وصول طارق (محمود عسفة)، 13 سنة، وأمه غيداء (ربى بلال) إلى مخيم مؤقت للاجئين الفلسطينين. ما بين رفضه الواقع الجديد، وكرهه لأستاذ المدرسة في المخيم، وتعرّفه على لاجئين أمضوا حوالي 20 سنة حتى الآن في ذلك المخيم المؤقت، يزداد طارق إصراراً بالعودة إلى الديار، وملاقاة أبيه الذي بقي في أرض فلسطين. إلا أنه، في إحدى الصباحات الباكرة، سوف يحمل حقيبته ويغادر المخيم دون علم والدته. وكما علّمه والده مرة سوف يتبع موقع مغيب الشمس، إذ أن الديار تقع هنالك. هكذا تنطلق رحلة طارق في مشوار العودة، في الفيلم الطويل الثاني "لمّا شفتك" للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، بعد فيلمها الأول "ملح هذا البحر". رحلة سوف يتوه فيها طارق ليجده شاب فدائيّ: ليث (صالح بكري)، نائماً في العراء فيقوده معه إلى مخيم التدريب في إحدى الغابات. بعد بحث طويل، تجد غيداء إبنها في مخيم الفدائيين يتدرب معهم للعودة إلى فلسطين ورافضاً العودة معها إلى مخيم اللاجئين. ما بين التدريبات وسهرات الليل، والرغبة المتزايدة بالعودة إلى الديار ومجريات الحرب، تتواصل الأحداث. هل يحقق فعلاً طارق حلمه بالعودة إلى الديار؟ نترككم لمشاهدة الفيلم.
يتميز فيلم "لمّا شفتك" في مقاربة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خارج اللأراضي الفلسطينية. فأحداث الفيلم تجري جميعها في الأردن ما بين مخيم اللاجئين في القسم الأول ومخيم الفدائيين في القسم الثاني، فيما أرض فلسطين التي هي موضوع الفيلم وجوهره غائبة عن الصورة. أما الميزة الأهم في خيار الكاتبة والمخرجة جاسر، أنها تروي قصة اللاجئين وقضية شديدة التعقيد على لسان طفل ومن منظوره. تخيم على الفيلم تلك النية البريئة لطفل غير قادر على استيعاب عبثية عالم الكبار وتعقيداته، فيما الطلب بسيط جداً بالنسبة له: العودة إلى الديار وملاقاة أبيه. وبذلك تحيلنا جاسر عبر فيلمها الجديد وبعد أكثر من ستين سنة على الصراع العربي الإسرائيلي إلى الحق الأولي والبسيط الذي ما زال الفلسطيني محروماّ منه: العيش مع عائلته على أرضه.
لطالما شهد االفن السابع لجوء السينمائيين إلى عالم الأطفال لطرح معضلات سياسية وإجتماعية كبيرة، في لغة مبسطة تعيد تذكيرنا بأمور أساسية، بعيداً عن تعقيدات السياسة. تحفل السينما الإيرانية بأمثلة كثيرة مع مخرجين مثل عباس كياروستامي ومجيد مجيدي وسميرة مخملباف ... الذين صوروا عدة أفلام من بطولة أطفال، طارحين عبرها مشاكل عميقة ومعقدة يعاني منها المجتمع الإيراني. كما نذكر مقاربة الحرب الأهلية اللبنانية من منظار الأطفال في فيلم "بيروت الغربية" لزياد دويري، وفي "زوزو" لجوزيف فارس. وتجدر الإشارة إلى أنه الدور السينمائي الأول للطفل محمود عسفة الذي قدم آداءً بارعاً، فيما عمل صالح بكري مع آن ماري جاسر سابقاً في فيلمها الأول "ملح هذا البحر".
وإن نجحت جاسر بمقاربة موضوع حق العودة، المتداول كثيراً في السينما الفلسطينية والعربية، ضمن سياق جديد عبر حكاية طفل، إلا أن بعض الخيارات الفنية والسياسية في "لمّا شفتك" تثير بعض التساؤلات. إن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم لم تتحقق بعد. إذاً موضوع الفيلم ما زال مستجداً ومطروحاً اليوم. لكن لماذا قررت مخرجة فلسطينية معنية بشكل مباشر بحق العودة والفدائيين أن تتناول هكذا موضوع في عام 1967 بالتحديد؟ هل لأنها أرادت أن تتفادى تعقيدات الأحداث  التي أصابت الفدائيين خلال السنين التالية، خاصة في الأردن؟ أم أنه مجرد افتتان "إكزوتيكي" بزمن السيتينيات وأزيائه، ونمط العيش فيه الذي لم تعشه المخرجة، والذي جعل الفيلم يتخذ ذلك الإطار الزمني غير المسيّس والمفصول عن التاريخ؟ علماً أن الفيلم يخلو من أية مراجعة تاريخية، أو نقدية لأي من عناصر الفيلم، وكأنه لم يمر أكثر من 40 سنة. لذلك تأتي النتيجة فيلماً تاريخياً، رومنسياً، درامياً، يروي قصة ولد لاجئ فلسطيني قرر العودة إلى الديار، وفي الخلفية بلد يدعى الأردن، ومخيمات للاجئيين وفدائيين فلسطينيين يتدربون للقتال أحياناً، ولكن في معظم مشاهدهم يتحلقون حول النار ويغنون ويرقصون ويلعبون ورق الشدة.
للكاتبة والمخرجة آن ماري جاسر حقها في تصوير أفلام غير مسيسة وتجارية، حتى ولو كانت أفلاماً مستقلة، وليس على جميع الفنانين الفلسطينيين والعرب أن يقدموا أفلاماً ملتزمة بالقضايا السياسية الكبرى. ولكنه ايضاً من حقنا أن نطالب مثقفينا بأن يكونوا أكثر نقداً من سياسيينا، وأن يسألوا على لسان الأطفال ربما، الأسئلة الموجعة التي لا نجرؤ على طرحها في العلن، مثلما فعل زملاؤهم السينمائيون الإيرانيون من قبلهم. نعم، حلم الطفل طارق عام 1967 بأن يعود إلى دياره، لكنه لم يعد حتى اليوم. فهل فعلاً إن إسرائيل هي السبب الوحيد وراء ذلك؟  

نشر في رصيف ٢٢





مرزاق علواش يسائل العفو العام في "التائب"



التائب
الجزائر، 2012، ملون، لغة عربية، ساعة و27 د.
المخرج: مرزاق علواش / كاتب السيناريو: مرزاق علواش / المصور: محمد طيب لاغون
الممثلون: نبيل العسلي (رشيد)، خالد بن عيسى (الأخضر)، عادلة بن دمراد (الزوجة)
الجوائز:
-    جائزة شبكة قاعات العرض الأوروبية/ أسبوع المخرجين – مهرجان "كان" السينمائي – 2012
-    جائزة أفضل فيلم روائي طويل/ مهرجان الدوحة ترابيكا – 2012
-    جائزة هوغو الفضية/ مهرجان شيكاغو السينمائي الدولي – 2012
-    جائزة فيبريسكي لأفضل فيلم طويل / مهرجان كيرالا السينمائي الدولي – 2012



يركض في الثلج، هارباً من ماضيه، من الجبال حيث يختبئ الجهاديون الإسلاميون في الجزائر، عائداً إلى بيته طالباً أن يعود إلى الانخراط في الحياة الاجتماعية الطبيعية. إنه رشيد (نبيل العسلي) أو "التائب"، الصفة التي  يطلقها عليه وعلى أمثاله أهل الجزائر. بعد عشر سنوات من الحرب الأهلية في الجزائر التي عرفت بالعشرية السوداء، أصدرت السلطات الجزائرية بقيادة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عام 1999 ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، الذي يعفو عن المسلحين الذين لم يقترفوا أعمال قتل أو اغتصاب. هكذا وصل الشاب العشريني رشيد إلى بيته بعض طول غياب، واستقبله أهله بحرارة، بعكس بعض أهل القرية الذين أرادوا قتله انتقاماً لجرائم وقعت في عيالهم، رغم أن شهادة رشيد بأنه براء من تلك الجرائم، وبأنه لم يقتل أحداً في حياته. لن يبقى التائب طويلاً في القرية، بل سوف يغادر إلى المدينة، ويسجل عودته عند الشرطة كما يشترط القانون، ليبدأ بعدها بالعمل في مقهى بعدما حلق ذقنه. قرب مقر عمله الجديد سوف يتعرف رشيد على الصيدلي "الأخضر" (خالد بن عيسى)، ليعود الماضي من جديد إلى الواجهة. هنا يقرر رشيد أن يبيع  معلومة مهمة جداً تعني الأخضر مقابل مبلغ كبير من المال ليتمكن من السفر ومغادرة البلاد بعيداً. بعد لقاءات عدة مع رشيد، يستدعي الأخضر زوجته (عادلة بن دمراد) التي انفصلت عنه منذ مدة، لينطلق الثلاثة في رحلة صوب الجبال حيث الغرض المنشود.
لن تنكشف تلك المعلومة التي تجمع رشيد بالأخضر وزوجته سوى في الجزء الأخير من الفيلم، والتي لن نفسدها عليكم بل ندعوكم لمشاهدة الفيلم. خاصة أن المخرج مرزاق علواش عمد في تركيبة السيناريو إلى بناء توتر متصاعد مع تقدم الأحداث عبر إخفاء تلك المعلومة. في المقابلة الأولى ما بين رشيد والأخضر، سوف نلاحظ الريبة التي تعتري وجه رشيد، ثم مكالمات هاتفية، ولقاءات ما بين الإثنين لن يسمح لنا المخرج بالإطلاع على تفاصيلها، لكننا على يقين بأن لدى رشيد ما يهمّ  الأخضر وزوجته رغم انفصالهما. مقابل ذلك التوتر واللغز المسيطر على إيقاع الفيلم، اختار علواش الصمت أيضاً عنصراً أساسياً من مكونات "التائب". صمت يلقي بثقله على المشاهد، ويضعه في مواجهة مباشرة مع محاولة فهم حيثيات الأحداث ومشاعر الشخصيات عبر حركة أجسادهم وتعابير وجوههم.
ما بين التوتر والصمت نجح مرزاق علواش في نقل معضلة العفو الطارئ التي يعاني منها المجتمع الجزائري إلى الشاشة. طارحاً أسئلة حول مدى تقبل المجتمع الجزائري لهؤلاء التائبين، وإمكانية انخراطهم الفعلي في المجتمع دون ثقل الماضي، ودون إجراء محاكمات عادلة. ولكي لا تسقط شخصية التائب في نمطية شخصيات الجهاديين الممثلة في السينما عادة، اختار علواش العمل مع نبيل العسلي، ممثل صغير السن وملامحه لطيفة غامضة في الوقت ذاته، تاركاً شكوكاً تلف حقيقة إذا ما كان فعلاً نظيف اليدين. مما يصعب على المشاهد سهولة الحكم عليه وتصنيفه ضمن المجرمين أم لا، الأمر الذي يفسح مجالاً للتعاطف معه. تلك المقاربة للشخصيات يتبعها أيضاً مع الصيدلي وزوجته، وفيما يخص علاقتهما وانفصالهما فيما بعد، حتى لقائهما من جديد اليوم، وانعكاس ذلك على تفاعلاتهم المتفاوتة. تلك المقاربة تبيّن التعقيدات التي يعجز المشاهد أمامها عن فرز الشخصيات ما بين نمطية الصالح والشريرالمعتمدة غالباً في الأفلام التجارية الهوليودية، لتأتي أقرب إلى الواقع، وطارحة معضلات حقيقية. إنها ليست المرة الأولى التي يعمل فيها علواش مع الممثل نبيل العسلي، فالأخير شارك أيضاً في فيلم "حراقة" (2009) كما في فيلم "نورمال!" (2011)، الذي شاركت فيه أيضاً الممثلة "عادلة بن دمراد"، أما بالنسبة لخالد بن عيسى فهي مشاركته الأولى في أفلام علواش. في "التائب" قدم الممثلون الثلاثة أداء مميزاً، خاصة في ذلك اللعب ضمن الصمت  طوال المشاهد الأولى للفيلم، وفي الشحن التصاعدي خلال المشهد الأخير، حيث نرافق رشيد والأخضر وزوجته في السيارة ما بين جبال الجزائر. لقاء يجمع الجلاد بالضحية. مشهد بليغ جداً يظهر المشاعر الإنسانية في لحظات المواجهة. كأن بذلك المشهد تجسيداً مكثّفاً للمرحلة الانتقالية التي يعيشها المجتمع الجزائري: هل يستطيع فعلاً أهل الضحية الصفح عن ما مضى ومسامحة القاتل؟ وهل يستطيع الجهاديون السابقون التخلص من ثقل ماضيهم، والانطلاق نحو بداية جديدة؟
مرة جديدة يضع المخرج الجزائري مرزاق علواش كاميرته على الجرح، ويوجع السلطة الجزائرية التي حرمته الدعم الإنتاجي في فيلمه الأخير "التائب". ذلك الهجوم من السلطة رافق المخرج في فيلمه "حراقة" الذي يتناول موضوع الهجرة غير الشرعية من الجزائر إلى أوروبا وخطر الموت في كل لحظة، ثم في "نورمال!" الذي ينتقد فيه الجزائر ما بعد الثورات العربية في مصر وتونس، كما ينتقد الرقابة على الفن. لكن علواش يستمر ويتطرق في "التائب" إلى موضوع ما زال حساساً في المجتمع الجزائري حتى اليوم، مقدماً معالجة فنية سياسية، وطارحاً أسئلة موجعة لا بد للجزائريين وجميع الشعوب التي عانت من الحروب الأهلية أن تحاول التوقف عندها ومناقشتها.

نشر في رصيف ٢٢






كلّ ما تحتاجه لصناعة فيلم، إنما هو فتاة ومسدس ... وصالح بكري




SALVO
Italy / France, 2013, Color, Italian language, 1h43'

Director: Fabio Grassadonia & Antonio Piazza  / Screenplay: Fabio Grassadonia & Antonio Piazza / Cinematography: Daniele Ciprì  / Cast: Saleh Bakri (Salvo), Sara Serraiocco (Rita), Luigi Lo Cascio, Mario Pupella
Awards:
-    Grand Prize – Critics Week - Cannes Film Festival 2013
-    France 4 Visionary Award - Cannes Film Festival 2013

يدخل سالڤو خلسة إلى منزل ريناتو ويقتله بحضور شقيقته الضريرة، ريتا، لكنه سيمتنع عن قتلها هي أيضاً، بعدما أبصرت النور أمام مسدسه الموجَّه إلى جبينها. حادثة سوف تغيّر مجرى حياة القاتل المأجور، سالڤو، وتسبب له المشاكل مع المافيا السيسيلية، وتجره إلى التعلق بضحيته: ريتا.  

استناداً إلى القاعدة السينمائية السحرية: "كلّ ما تحتاجه لصناعة فيلم، إنما هو فتاة ومسدس"، المقولة الشهيرة لـ D.W. Griffith  التي  أعاد ترسيخها Jean Luc Godard، ينطلق المخرجان الإيطاليان Fabio Grassadonia و Antonio Piazza لصناعة فيلمهما الأول، سالڤو. قد يبدو للوهلة الأولى أن القصة وأحداثها تتشابه مع عدد كبير من أفلام الميلودراما والمافيا الإيطالية. قصة قتل تعترضها لحظة حبّ فتتغير مجريات الفيلم. لكن التفاصيل الدقيقة في تركيبة السيناريو والجمالية السينماتوغرافية ل"سالڤو" مكّنته من حصد الجائزة الأولى في مهرجان أسبوع النقاد - مهرجان كان السينمائي، لهذا العام.

قبل أن نغوص في عرض تفاصيل الفيلم السينمائية، لا بد أن نتوقف عند الممثل الرئيسي المؤدي لشخصية سالڤو، الفلسطيني: صالح بكري. بدأ صالح بكري (1977) مسيرته الفنية على خشبة المسرح، وهو إبن الممثل والمخرج محمد بكري، قبل أن يقدم أدواراً رئيسية في أفلام سينمائية، منها: "ملح هذا البحر" و"لمّا شفتك" لآن ماري جاسر و"الزمن الباقي" لإيليا سليمان. وكما كان لامعاً في أدواره السابقة، يؤدي بكري شخصية سالڤو في شبه صمت كامل طوال الفيلم، معتمداً على بلاغة تعابير وجهه وحركة جسده، ليثبت مرة أخرى أنه من الممثلين العرب الشباب المميزين في السينما العربية كما العالمية. 

في القيمة الفنية للفيلم، سوف نستعرض بعض تفاصيل المشهد الأول من حيث السيناريو والتصوير، كمثال لإبراز القيمة السينمائية. يفتتح الفيلم على مشهد هجوم مسلَّح تقوده إحدى مجموعات المافيا على سالڤو في أحد شوارع  سيسيليا. معركة سوف يخرج منها سالڤو بسلامة وفي حوزته اسم الرجل وراء ذلك الهجوم، ريناتو، مما سوف يقوده إلى منزل الأخير لقتله. إنها الدقيقة الثامنة من الفيلم، لحظة دخول سالڤو منزل ريناتو. في المنزل لا يوجد سوى ريتا، شقيقة ريناتو الضريرة. منذ اللحظة الأولى تتنبه ريتا، هي التي لا يمكنها أن ترى، إلى دخول شخص غريب، ولكنها سوف تحاول أن تخفي ذلك عليه، إلى حين وصول شقيقها أو إيجاد أي حل ممكن. هكذا مشهد يعتمد التشويق كعنصر أساسي في تكوينه، قد يستحوذ عادة على خمس دقائق بالكثير من طول أي فيلم، لكن المخرجين غراسادونيا وپيازا قررا أن يفردا له خمس عشرة دقيقة من التوتر الصامت الذي لم يقع في لحظة ملل. في القسم الأول من المشهد نرافق سالڤو في دخوله إلى المنزل، ولقائه بريتا، ثم في جولته التفقدية للغرف بحثاً عن ريناتو، دون أن تغيب ريتا من خلفية الصورة. لكن سرعان ما سوف تنتقل الكاميرا إلى جهة ريتا لينتقل سالڤو بدوره إلى خلفية الصورة. لكن هذه المرّة سوف تلتصق الكاميرا بريتا وترافقها في جميع تحركاتها عن قرب، وفي حركة تشبه حركة جسدها المتردد والمتوجس لكي تعكس قلقها ومحاولاتها للخلاص. ذلك الخيار التقني ورغم بساطته، يدفع المشاهد إلى اختبار موقف ونية القاتل سالڤو في البداية، ولكنه ينتقل بخفة إلى تبني حالة التوتر التي تسيطر على الضحية دون أن يقع في أساليب التشويق المبتذلة المدعمة بالمؤثرات الصوتية وسرعة حركة الكاميرا، بل على العكس استطاع أن يبني التوتر بتمهّل في الصمت وفي حركة الكاميرا البطيئة. بالإضافة إلى أن المخرجين ومنذ بداية الفيلم اعتمدا اللقطات المقربة على عين سالڤو، التي سوف تتراكم تحضيراً للحظة التي سوف ينظر فيها إلى عين ضحيته تبصر النور أمام مسدسه.

عبر الدقة في التفاصيل، والحركة البسيطة والبطيئة للكاميرا، وجمالية الصورة التي تسيطر عليها الألوان الداكنة، وضبط إيقاع الفيلم عبر التوتر الذي يحكم علاقة سالڤو بريتا منذ بداية الفيلم حتى نهايته، استطاع المخرجان غراسادونيا  وپيازا أن يقدما فيلماً نجا من كليشيهات أفلام المافيا، وروى قصة حب ما بين القاتل والضحية دون أن يقع في الميلودراما الهزيلة.
بالرغم من أن "سالڤو" يعتبر من الأفلام التجريبية من حيث القيمة السينماتوغرافية، ولكن أحداثه التي تجري ما بين  قصة حب وجرائم المافيا السيسيلية، والنكهة الكوميدية التي أدخلها المخرجان إلى الفيلم مع شخصيات أصحاب النزل الذي يقطن فيه سالڤو، تجعله أيضاً  فيلماً للجمهور العريض.

نشر في رصيف ٢٢






"يمّا" يحاكي جراح الجزائر بصمت



يَمّا
الجزائر، 2012، ملون، لغة عربية، ساعة و31 د.

المخرجة وكاتبة السيناريو: جميلة صحراوي / المصورة: رافاييل أوبراين / 
الممثلون: جميلة صحراوي (ورديّة)، سمير يحيى (الحارس)، علي ظريف (علي)
الجوائز:
-  جائزة فيبريسكي / مهرجان دبي السينمائي 2012
-  الباير الذهبي لأفضل ممثلة / مهرجان نمور – بلجيكا  2012


رائعة سينمائية، تجعل من قصة عائلة، وثلاثة ممثلين في بيت معزول بريف الجزائر، قصة تمتد على مساحة الإنسانية والوطن. إنه ”يمّا“ الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والممثلة الجزائرية جميلة صحرواي. يُفتتح الفيلم بمشهد إمرأة تدعى وردية (جميلة صحراوي)، تجرُّ خلفها جسد إبنها المقتول. مع صوت نَفَسها المتصاعد، وسط طريق وعرة، نرافقها حتى بيتها، في طريق الألم والحزن. لوحده، يتوسط بيتها منطقة واسعة في ريف الجزائر. هنالك تغسل الأم جسد إبنها، وتحضره للدفن. في أرض خلف الدار تحفر قبراً، وتودعه. كان ضابطاً في الجيش الجزائري، قُتل في معركة مع إحدى الجماعات الإسلامية الجزائرية التي يقودها إبنها الثاني ”علي“ (علي ظريف). تلك هي حبكة الفيلم الأساسية: أمٌّ تدفن إبنها المقتول على يد إبنها الثاني. حبكة تعيدنا إلى التراجيديا الإغريقية، حيث تتصارع المشاعر، ويصعب تحديد المواقف الواضحة ما بين الشخصيات. حيث تجد الشخصيات مجبرة على التعايش مع وجعها القريب منها، والذي هو جزء منها. أوديب يقتل أباه، ويتزوج أمه. ميديا تقتل أولادها انتقاماً من رجلها. وردية تدفن إبنها البكر، وتتهم إبنها الآخر بقتله، ولكنه في نهاية الأمر الذي تبقّى لها. أمّا الإبن فيحاول أن لا يخسر أمَّه، ولكنه يصطدم معها بالذنب والعقائد الدينية والحرب.

في تلك المنطقة المعزولة، يضع علي حارساً (سمير يحيى) على والدته. شاب من فصيلته، فقد ذراعه خلال المعارك. علاقة متشنجة سوف تنمو ما بين ورديّة والشاب في البداية، لكنها سوف تتلطف مع مرور الوقت. بعناد، وجهد كبير، سوف تقوم وردية بمحاولة زرع أرضها الجافة، لإعادة شكل من أشكال الحياة إلى محيطها وإلى حياتها. في أحد الأيام وبعد صدامات متتالية مع الحارس، سوف تجد المياه تتدفق إلى حقلها إثر مدّها عبر مولد كهربائي، جلبه الشاب الحارس لا غير، لمساعدتها. لحظة سوف تكرس بداية علاقة جديدة بين الثنائي. تدعو ورديّة الحارس لدخول  البيت، شرط أن يترك بندقيته خارجاً، فتشاركه العشاء، وتحضر له غرفة لينام فيها، إذ كان يبيت في الحظيرة قبل ذلك. هكذا سوف تجد وردية في هذا الحارس إبناً جديداً. لكن علاقتها بعلي سوف تتدهور أكثر كلما التقيا، خاصة بعد أن تزوج إمرأة إبنها البكر، وتوفيت وهي تضع ولداً، لتتهمّه بقتلها هي أيضاً بعدما قتل أخاه. لكن رغم ذلك، سوف تقبل الاعتناء بحفيدها وتربيته. طفل يخلِّد ذكرى إبنها البكر، ويعيد لها الأمل والإيمان بالحياة. تمر الأيام، وتنمو العلاقة بين وردية والحارس مع نموّ الولد، إلى اليوم الذي يصل فيه علي ليلاً إلى المنزل، مصاباً برجله. هنا تتجلى في فيلم ”يمّا“ أجمل لحظاته. صراع الأم ما بين قسوتها على إبنها، وحنانها عليه. تلعب جميلة صحراوي دوراً رائعاً في تظهير صراع المشاعر تلك عبر تعابير وجهها، ونظراتها، وحركة جسدها الذي أثقلته الأحزان. هكذا نتابع أحداث الفيلم ما بين لحظة مرونة، تتبعها القسوة، وفورة الإبن وألمه النفسي والجسدي. علاقة لن يبقى الحارس خارجها، بل سوف يصبح جزءاً من تجاذب أطراف العائلة، ما بين الأم والإبن، إلى أن يضطر إلى اتخاذ موقف حاد منهياً تلك المأساة.   جميع تلك الأحداث، وعبر ثلاثة ممثلين، اختارت جميلة صحراوي أن تقدم رائعة سينمائية غارقة في الصمت، مع القليل القليل من الحوارات المترجمة بكلمات. لا بل تركت شخصيات فيلمها تعيش مأساتها في الصمت، في قلة التواصل مع الآخر. حتى التواصل اختصرته بنظرة، أو حركة جسد أبلغ من الكثير من الكلمات. قد تكون كلمة ”يمّا“ التي اتخذتها عنواناً أكثر كلمة مسموعة في الفيلم. إنها اللحظة التي يصرخ فيها علي مراراً، متألماً وبردان على عتبة البيت ليلاً: يمّا. صرخة يطلب عبرها مساعدة أمّه، ورحمتها، وغفرانها لعلها تخفف عليه وجع الجسد والروح. أما باقي الفيلم فيلقي بالإنسان وحيداً وضعيفاً في وسط الطبيعة الواسعة الجبارة. مفردات وجدت لها جميلة لغة سينمائية ترجمتها في حركة الكاميرا البطيئة، واللقطات الطويلة النفس. نجحت جميلة صحراوي في فيلمها ”يمّا“ في أن تعكس آلام الجزائر عبر آلام وصراع عائلة، بأفرادها الثلاثة. أرادت أن لا تقول الكثير، ولكن ”يمّا“ فيلم يشعرنا بالكثير.  

نشر في رصيف ٢٢     

جميلة صحراوي من مواليد 1950 في تزمالت، الجزائر. انتقلت إلى العيش في باريس منذ عام 1975، حيث درست في ”المعهد العالي للدراسات السينمائية“ وباشرت في صناعة الأفلام الوثائقية. في عام 2006 قدمت ”بركات“ أول فيلم روائي طويل لها، الذي شارك في مهرجانات سينمائية دولية عدة، ونالت عنه جائزة المهر العربي في مهرجان دبي السينمائي. أما إنتاجها الجديد ”يمّا“ فقدم في مهرجان البندقية السينمائي.






عزيزي الأصولي أسقني الثقافة العربية لا تحريمك


عزيزي الأصولي العربي الشاب، خلال السنوات الأخيرة أتحفتني بثقافة تحريمك. فتارة تريد أن تقطع مشاهد القبل والعريّ من أفلام السينما، وتارة تهجم على سينما أو معرض فني وتطالب بإغلاقه، وتمنع كتاباً هنا وفيلماً هناك... فاسمح لي أن أعرفك على الثقافة العربية التي تبدو وكأنك دخيل عليها، مع أنه مثلي مثل حالك ولدنا في نفس الوطن العربي ونطقنا نفس الضاد. لكن لا بأس، لا بد أن نتحاور ونتناقش لأننا، لا أنت ولا أنا،  اخترنا  أن نكون عرباً بل ولدنا كذلك. لن أغوص معك في تطور الفكر الثقافي العربي المعاصر ولكن فلنعد ولنتذكر سوية أغنيات طربية سبقت مولدنا أنت وأنا، وأصبحت جزءاً لا يتجزء من الثقافة العربية، لا بد أنك سمعتها مراراً وتكراراً وتربيت عليها مثل كل مواطن عربي. دعك من النجس والدنس والفحشاء التي صدرها إلينا الغرب، فلنبحث في أغاني أمثال أم كلثوم وأسمهان وصباح فخري عن مرآة لثقافة عربية يبدو أننا نختلف عليها.  

بداية، لا بد أننا نتفق أن أم كلثوم كانت مطربة القرن العشرين بامتياز. فقد أطربتنا منذ بدايته حتى نهايته، بما مرّ خلاله من تقلبات سياسية، واجتماعية، وثقافية، استطاعت مواكبتها، لا بل يمكن قراءة جزء كبير من تاريخ مصر والأمة العربية عبر أغانيها. كان لأم كلثوم علاقة وطيدة بالسلطة منذ أيام الملك فاروق، مروراً بجمال عبد الناصر، وصولاً إلى أنور السادات، وهي غنت تلك المراحل بصوتها. كما كانت أغانيها مرآةً للمجتمع، كذلك كانت للفرد المصري بشكل خاص، والعربي بشكل عام. لذلك، استطاع كلّ مستمع أن يجد في أغاني كوكب الشرق كلمات تحاكيه، أو تتكلم عنه، في فرحه، وعشقه، وحزنه، وهزيمته، وانتصاره. لا بد أنك تعلم أنها غنت لأمير الشعراء أحمد شوقي "نهج البردة" في مديح الرسول. أما "الست" فعُرف عنها بأنّها لم تكن تشرب الخمر. ذلك التمنع عن الشرب يصفه أيضاً أحمد شوقي في أغنية "سلوا كؤوس الطلا". إذ إنّه في أول لقاء جمعه بكوكب الشرق، أُعجب شوقي جداً بصوتها. وفي نهاية الحفل تقدم منها ليهنئها، مقدماً لها كأساً. فرفعت الكأس احتراماً حتى شفاهها، ولكنّها لم تشرب منه. أُعجب أحمد شوقي يومها بلباقة تصرف الستّ، فكتب لها قصيدة يفتتح مطلعها بـ"سلوا كؤوس الطلا هل لامستْ فاها، واستخبروا الراح هل مسّتْ ثناياها"، وأرسلها لها في اليوم التالي. قبلت أم كلثوم القصيدة هدية من أحمد شوقي، لكنها انتظرت سنوات بعد رحيل أمير الشعراء لتطلب من الملحن رياض السنباطي تلحينها، فغنتها سنة 1944، معدّلة بعض الأبيات عبر حذف ذكر اسمها منها. إذ إن أمير الشعراء في الأبيات اللاحقة  يتوجه إلى "ثومة" سائلاً "ما ضرّ لو جعلتْ كأسي مراشفها؟"، رغبة منه في أن تشرب من كأسه، لتعود شفاهه فتلمس المكان ذاته من الكأس.
نعم أم كلثوم لم تكن تشرب الخمرة، وإن كان ذلك انطلاقاً من اعتقاد ديني أم لا، لكنّها غنّت عن الخمر والسكارى كجزء من المجتمع الذي عاشت فيه، وتعايشت معه. من المؤكد في ذلك الزمن أن تحريم الخمر أو غيره في الدين لم يكن معياراً تعتمده المطربات في اختيار كلمات الأغاني. لا بل كانت جودة العمل الفني، وتواصله مع المحيط الذي ينبثق منه هي المعايير الأساسية لذلك. وبما أن شرب الخمر كان وما يزال جزءاً من الممارسات الاجتماعية، كان لا بد أن يجد مكانة في أغنيات كوكب الشرق. أما في أغنية "الأطلال" التي كتب كلماتها الشاعر إبراهيم ناجي، وغنتها أم كلثوم في عام 1966 لأول مرة، تتحدث كوكب الشرق عن فقدانها للمحبوب مخاطبةً قلبها: "يـا فؤادي لا تسلْ أين الهوى"، بل "اسقني واشربْ على أَطلالها". هكذا تجد في الخمر علاجاً من الأسى عبر النسيان ”فتعلَّمْ كيف تَنسى، وتعلَّمْ كيف تمْحو". ثم تتابع الأغنية في وصف حالة السكر والفرح والضحك مع الندماء: ”وضحكنا ضحْكَ طفلين معاً"، إلى مرحلة اليقظة ما بعد السكر، متمنية عدم زوال مفعول الخمر: "وأَفقنا ليت أنّا لا نُفيق". لتعود وتختم سائلةً الحب إن رأى هكذا سُكارى، علماً أنّ تلك الأبيات الأخيرة أضيفت إلى الأغنية من قصيدة أخرى للشاعر نفسه.
تعلم جيداً أن وصف الخمرة والتغزل بها وبمفعولها ليس جديداً على الثقافة العربية، رغم تنصل البعض حالياً من ذكرها، أو التنكر لوجودها. وإن كان الشعر خير مؤرّخ لتفاصيل المجتمع التي تتجاهلها كتب التاريخ وسائر النصوص الرسمية، فإنّ للخمرة منزلة عزيزة في الشعر العربي، منذ عصر الجاهلية حتى يومنا هذا. من المؤكد أنّ ظهور الإسلام قلص تلك الظاهرة في العالم العربي، أو التكلم عنها علناً على الأقل، ولكن الأبيات الشعرية تظل شاهدة ولا يمكن تجاهلها. يبقى أبو النواس مثالاً مجاهراً بعشقه للخمر علناً: "ألا فاسقني خمراً وقل لي: هيَ الخمرُ، ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهرُ، فما العيْشُ إلاّ سكرَة بعد سكرة، فإن طال هذا عندَهُ قَصُرَ الدهرُ". وأبو النواس، المعروف بشاعر الخمرة، عاش في العصر العباسي في أواخر القرن الثامن، متنقلاً ما بين البصرة وبغداد ودمشق والقاهرة، وكان مقرباً جداً من الخليفة المسلم هارون الرشيد، ثم من ابنه الخليفة الأمين.
شاعر الخمرة ذاك، وبعد قرون عديدة، سوف يجتمع مع عمر الخيام ليسكرا سوية في ليلة كلثوميّة. "هلّ في ليلتي خيالُ الندامى والنُواسيُّ عانق الخيّاما، وتساقَوا من خاطري الأحلام وأحبوا وأسكروا الأياما". إنه بيت في أغنية "هذه ليلتي" التي كتبها الشاعر اللبناني جورج جرداق لأم كلثوم. في هذه الأغنية، لا تكتفي كوكب الشرق بوصف ليلتها بليلة سكرٍ وخمرٍ، بل توصّف عبرهما الفرحة التي تغمرها بقرب الحبيب، وتتغزل بمعشوقها كونه هو خمرتها: "يا حبيبي وأنت خمري وكأسي، ومنى خاطري وبهجة أنسي".  ودعنا لا ننسى أنّ أم كلثوم هي ابنة المؤذن إبراهيم البلتاجي، وبرعت في تجويد القرآن والأناشيد الدينية، لكنها غنت ومنذ بداية حياتها المهنية عام 1925 "الخلاعة والدلاعة مذهبي/ من زمان أهوى صفاها والنبي". حينها كانت الفنانة الجديدة الصاعدة تودّ منافسة سلطانة الطرب منيرة المهدية، التي اشتهرت بتغنّيها بلذّات الحياة، في عقر دارها. 
دعنا من أم كلثوم، فلنتجه قليلاً نحو بلاد الشام. فإن لأسمهان أغنية تتخطى فيها ذكر الخمر إلى اللذة الجنسية في الشرب: "صُبّها من شفتَيك في شَفتي". وقد تكون قصيدة "أسقنيها بأبي أنت وأمي" التي كتبها الأخطل الصغير من أجرأ ما غنته أسمهان: "ولماك في فمي فديت فاك، هل أراك وعلى قلبي يداك ورضاك، هكذا أهل الغزل كلما خافوا الملل أنعشوه بالقبل". وماذا عن سيد القدود الحلبية والموشحات صباح فخري، فلا بد أنك شاهدت الملايين من العرب يتراقصون على نغمات "خمرة الحب إسقنيها"، وصباح فخري ينطرب ويكرر "خمرة الروح القبل... صليني، بالنبي، صليني".
عزيزي الأصولي العربي الشاب، تلك ليست إلا أمثلة قليلة من زمن الماضي، وكل ما وددت أن أقوله لك: إن استمرارك في نزعتك التحريمية الأصولية قد تؤجج تصادماً لن يستطيع أحد فيه أن يلغي الآخر، ولكننا سوف نقضي على ثقافتنا العربية. فلا تشرب الخمرة (وجميع محرماتك) ولا تغنيها، ولكن عزيزي أسقني الثقافة العربية وليس تحريمك. نهاية وقبل الوداع، أتركك مع أغنية "يا جارة الوادي" التي كتب كلماتها أحمد شوقي ولا تخلو من الغزل الإباحيّ، ولكن انصحك بنسخة غنتها المطربة اللبنانية نور الهدى بدون موسيقى، فإنها الأجمل.


نشر في رصيف ٢٢




"بي إس لاب" يحاور الفضاءات




تأسست شركة "پي إس لاب" PSLAB في بيروت بهدف تطوير مفهوم الإضاءة المستعملة في الفضاءات الخاصة كما العامة. اليوم، أصبحت مشاريع الشركة موزعة ما بين منازل غالباً ما تكون في لندن، ومعارض فنية في بيروت، ومطاعم في روما، وفنادق في باريس، ومكاتب في برلين، وفي مساحات عامة حول العالم. لا تقتصر مشاريع پي إس لاب على اختيار الضوء المناسب للمكان المناسب، بل تأتي نتيجة لحوار مطوّل ما بين فريق العمل والزبون الذي يتحول إلى شريك في عملية الخلق. هكذا، تقدم الشركة خدمة متكاملة وخاصة لكل فرد وفضاء ومشروع، تبدأ بدراسة الفضاء، ثم الخلق، ثم التصنيع، وتنتهي بالتركيب.


منذ تأسيس الشركة في 2004، استطاع ديمتري الصدّي، مؤسسها ومديرها، أن يوسعها، حتى بات فريق الشركة اليوم يضم أكثر من 100 موظف، إضافة إلى مكاتب موزعة في كل من بيروت وشتوتغارت، بولونيا وأوسلو، هيلسنكي وسنغافورة. علماً أن عملية التصنيع بمجملها تجري في بيروت. في إطار مشاريعها المختلفة، تتعاون "پي إس لاب" مع أسماء معروفة في عالم الهندسة والتصميم. هكذا، تعاونت مع المعماري اللبناني برنارد خوري لإضاءة درج يتوسط مساحة بيت خاص في بيروت. فجرى تصميم إضاءة تتدلى من وسط السقف على شكل دائري بموازاة الأدراج، مع وصلات معدنية متفاوتة الطول، موحية بشكل لولبي يحاور شكل الدرج.



كذلك في مطعم پيار لويجي Pier Luigi في روما، كان الهدف مجاراة إعادة ترميم المطعم على يد المعماري بيار جيورجيو أنطونيتي Pier Giorgio Antonetti. هكذا تمت المحافظة على خصوصية الأقسام الجانبية في المطعم وحميميتها بالرغم من كثافة الإضاءة المستعملة. لإبراز أهمية طاولة رفيعة طويلة تتوسط المطعم، وبارَهُ، جرت إضاءتهما عن قرب بخط موازٍ لهما مؤلف من مصابيح كثيرة متدلية من السقف. 


أما في كافيتريا مركز باربيكن للفن في لندن، حيث القوانين المحافظة على القيمة المعمارية للمكان تمنع ثقب الجدران، فقد جرى استحداث رفوف معدنية تتوسط المساحة العامة وتفصلها إلى أقسام وُزِّعت عليها جِرارٌ زجاجية تستعمل عادة لتخزين الزيتون، بحيث تم تطويعها لتحتوي الإضاءة. خلال أسبوع التصميم الذي احتضنته ميلانو في عام 2009، تعاونت پي إس لاب مع پيوأرش ميلان PIUARCH (ستوديو معماريين وتنظيم مدني) لإعداد تجهيز ضوئي مؤلف من حوالي 750 غالون تمت إضاءتها من الداخل لتشكل جداراً ارتفع أمام واجهة أحد المباني في ميلانو. أرادت پي إس لاب أن يسائل هذا الطرح أهمية تصميم وتصنيع قوالب جديدة للإضاءة، مقابل إعادة تدوير واستعمال مواد وأدوات موجودة، من خلال إعطائها حياة أخرى عبر استعمالات جديدة. اليوم، وبعد أقل من عشر سنوات على تأسيس پي إس لاب، يتطلع ديمتري الصدّي إلى توسيع أفق العمل والبدء بتصميم المفروشات أيضاً!


الأقصى أم فلسطين؟




ما زالت القضية الفلسطينية تنعكس في أعداد هائلة من الصور الإعلامية المتلفزة والإلكترونية والفوتوغرافية التي تقدم إلى الرأي العام العربي والعالمي دليلاً موثقاً عن إجرام الإسرائيليين، وفيها يظهر العنف الجسدي والمعنوي ضد الفلسطينيين، ونجد صوراً تعتمد الرمزية في إشارتها للقضية وأحقيّتها. لكن صورة فلسطين اليوم التي اختار تداولها العرب، صورة مختزلة.

نبحث في محرك غوغل ضمن قائمة الصور عن فلسطين، بعد تخطي صور الأعلام الفلسطينية، وصوراً لإسرائليين يعنفون فلسطينيين، نجدها متجسدة في صورة لمسجد قبة الصخرة، مع بعض النواحي لمدينة القدس في الخلفية التي تبقي المسجد في بؤرة الصورة، كما يظهر في بعضها الجامع القبلي. أما نتائج بحث كلمة ”القدس“ فمختزلة بصور لمسجد قبة الصخرة. إنه الصورة وهو المشهد الفلسطيني الإلكتروني. يعتبر مسجد قبة الصخرة مع الجامع القبلي من أهم معالم المسجد الأقصى، الذي يمثل معلماً مقدساً لدى المسلمين، لكونه أولى القبلتين، وأحد المساجد الثلاثة التي يشدّ المسلمون الرحال إليها مع المسجد الحرام والمسجد النبوي الواقعين في المملكة العربية السعودية. علماً أنه إذا بحثت في محرك غوغل عن ”المملكة العربية السعودية“ فلن تجد صوراً تُذكر للمسجدين الحرام والنبوي، خلافاً لصورة المسجد الأقصى التي تختزل فلسطين والقضية الفلسطينية.

منذ سنوات طرحت فرضيّة أن إسرائيل وراء نشر وتداول هذه الصورة لأنها تريد أن تقنع العالم  بأن مسجد قبة الصخرة هو المسجد الأقصى. فيختلط الموضوع على الرأي العام، ويسهل بذلك على إسرائيل هدم أسوار المسجد الأقصى المتبقية، لإعادة بناء هيكل سليمان. لكن في الواقع كثير من العرب والمسلمين يختلط عليهم الأمر، وذلك لأسباب عدّة، منها أن القبة الذهبية لمسجد قبة الصخرة هي الأكثر بروزاً بين ما تبقى من آثار المسجد الأقصى، لذا يسهل تحديدها، بالإضافة إلى لجوء ”قناة الأقصى“ التلفزيونية وكتائب "الأقصى“ إلى اتخاذ مسجد قبة الصخرة شعاراً لهما. حتى لو كانت إسرائيل فعلاً وراء نشر الصورة، فإن العرب قد أمسكوا بها، تلقفوها، تبنوها وتداولوها.

قد تحاول الصورة بطريقة أو بأخرى تحفيز المسلمين على مناصرة القضية الفلسطينية والدفاع عن أحد أهم المعالم المقدسة في الإسلام. بذلك يتمّ استثمار البعد الديني لأرض فلسطين وكونها أرض مقدسة، لجعل القضية الفلسطينية، قضية مقدسة. علماً أن المسجد الأقصى ليس المعلم المقدس الوحيد على أرض فلسطين، ولا حتى في القدس. بنى المسيحيون  أولى المعالم المقدسة في تلك الأرض التي ولد وعاش وبشر ومات فيها السيد المسيح وأهمّها كنيسة القيامة. لكن لا نجد صوراً تستثمر البعد الديني المسيحي لنصرة القضية الفلسطينية.  وذلك قد يعود إلى تاريخ الكنيسة بقطبيها الأكبرين :الكاثولكية والأرثوذكسية مع القضية الفلسطينية، وإسرائيل، بمنأى عن دور مسيحيي فلسطين والشرق المقاومين الذين كانوا دائماً وما زالوا جزءاً أساسياً من مقاومة إسرائيل.

إن الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، التي قادت الحروب الصليبية في القرون الوسطى والتي كانت تهدف إلى تحرير الأرض المقدسة من سلطة الدولة الإسلامية، تتخذ اليوم موقفاً مشابهاً لموقف أوروبا من إسرائيل، بحيث تعتبر نفسها مسؤولة جزئياً عن اضطهاد اليهود في أوروبا. من هنا يأتي موقفها من القضية الفلسطينية ممزوجاً بشعور الذنب. ففي العام 1998، تقدم البابا يوحنا بولس الثاني باعتذار رسميّ من اليهود ودولة إسرائيل لعدم قيام الكنيسة بحمايتهم عقب المجازر التي تعرضوا لها في أوروبا كما قام بزيارة إسرائيل وعمل على بناء علاقات ديبلوماسية وطيدة بين دولة إسرائيل ودولة الفاتيكان. أما الكنيسة الأرثوذكسية في القدس، التي تعتبر من البطريركيات الخمس الأولى المؤسسة للكنيسة الأم، فلا يزال يجلس على كرسيها منذ القرن السادس عشر بطريرك يوناني وليس عربياً فلسطينياً، ما يعيدنا إلى السياسة الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية وإسرائيل. علماً بأنه في العام 2005، وإثر مجمع مقدس لبطريركية الروم الأرثوذكس في القدس، تم عزل البطريرك إيرينيوس الأول إثر فضيحة بيع أراضٍ لمستثمرين إسرائيليين في القدس القديمة، تعود ملكيتها للكنيسة. إن اشكالية العلاقة  ما بين سلطة الكنيسة والقضية الفلسطينية، قد تكون السبب في غياب استثمار البعد الديني للأرض المقدسة كجزء من القضية. أمّا مسيحيو فلسطين والشرق، فكانوا في معظم الأحيان قادة ومنضوين في صفوف المقاومة الوطنية ولم يلجأوا إلى استثمار الدين في حركة المقاومة.

في المقابل نجد رابطاً وثيقاً ما بين الدين الإسلامي والقضية الفلسطينية. وذلك الربط، القديم الجديد، منذ عصور الفتوحات الإسلامية، مرّ بغلبة النزعة القومية العربية على منطق الدفاع عن أرض فلسطين في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، إلى أن عادت النزعة الدينية  إثر هزيمة الدول العربية في وجه إسرائيل وتبدد حلم الوحدة العربية. فتحول الدافع وراء تحرير فلسطين بشكل كبير من كونها أرض عربية، إلى كونها أرض مقدسة. حتى إن أبرز حركات المقاومة اليسارية والقومية، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية تراجعت لتحتل الصدارة مكانها، فصائل الأقصى والمقاومة الإسلامية. 

بالطبع إن تلك التحولات من الدافع القومي إلى الدافع الديني، هي نتيجة لعوامل اجتماعية وسياسية واستراتيجية كثيرة ومعقدة لا مجال للدخول فيها الآن. أمّا هيمنة صورة مسجد قبة الصخرة على أي صورة أخرى لفلسطين، فتثير الكثير من الأسئلة حول موقع القضية الفلسطينية اليوم عند العرب، وربطها بالدافع الديني. هل غلبت صفة الأرض المقدسة على ما عداها كمثل صفة الظلم الذي يتعرض له الإنسان الفلسطيني، وحقّه بأرضه؟ ماذا يحصل إذا تمّ التوصل يوماً إلى اتفاق يحيّد أرض المسجد الأقصى عن الصراع؟ أم أن قضية تحرير فلسطين وصلت إلى حائط مسدود فوجب استعمال الورقة الأخيرة، ورقة الدين، والأرض المقدسة، لتبقى واجباً دينياً وحاضرة في وجدان المليار ونصف مسلم في العالم؟ أسئلة في رسم العرب،  مسلمين ومسيحيين ويهود ومواطنين.

نشر في رصيف ٢٢

بمترو المدينة تعا فرفش وسلّينا



اشتهرت الكباريهات في مصر خلال القرن الماضي. هي فضاءات شهدت ولادة فنانين كثر أصبحوا نجوم الفن المصري، كما كانت عنواناً أساسياً للفرح والمرح والفن الشعبي الجميل. سلطانة الطرب منيرة المهدية كانت تغني في إحدى تلك الكباريهات، إلى أن أسست ملهاها الخاص "نزهة النفوس" في أوائل القرن الماضي. من أشهر الكباريهات التي عرفتها القاهرة "كباريه بديعه مصابني". مصابني ممثلة ومغنية وراقصة من أصل لبناني - سوري، هاجرت إلى مصر مع والدتها حيث افتتحت الكباريه في عام ١٩٢٩. احتل "كباريه بديعة مصابني" سريعاً مركزاً مهماً في القاهرة، وأصبح مقصداً لأهم الشخصيات، ولم يكن الملك فاروق وأسرته سوى أحد الزوار الدائمين. كان يقدم أهم العروض الاستعراضية من غناء ورقص، ليتخرج منه كل من تحية كاريويكا وسامية جمال وفريد الأطرش ومحمد عبد المطلب ومحمد فوزي ومحمود شكوكو وغيرهم الكثير. ثم استلمت إدارة الكباريه الممثلة والراقصة ببا عز الدين وحولت إسمه إلى "كباريه شهرزاد"، ومن بعدها استلمته فتحية محمود، ثم زوجها. تواصل العمل فيه حتى الثمانينيات، ليشهد ولادة جيل جديد مثل سهير زكي وفيفي عبده وأحمد عدوية. بالمقابل، ظهرت العديد من الكباريهات، وانتشر الجديد منها في شارع الهرم، ولكنها اليوم ولأسباب عديدة لم تعد تحتل المكانة ذاتها.



أما في بيروت، في شارع الحمرا، وتحديداً تحت الأرض بطابقين، فقد ظهر منذ حوالي سنة كباريه جديد يدعى "مترو المدينة". ليس لمدينة بيروت قطار يتنقل ما بين محطة جغرافية وأخرى، لكن هناك مترو ينقل جمهوره من محطة فنية إلى أخرى. إنه فضاء يستقبل زواره بحانة اتخذت من هندسة مقصورة القطار شكلاً لها، وفي نهايتها، نرى باباً يؤدي إلى مسرح صغير يتسع لحوالي مئة كرسي مع طاولاتهم، موزعة على مدرج من ثلاثة مستويات. اللون الأحمر المخملي يضيء أجواء المسرح، وتتمايل الستارة ما بين الأخضر والذهبي. 


اليوم وبعد مرور حوالي سنة على افتتاح مترو المدينة، أصبح فضاء يعجّ ليلياً بجمهور متنوع، وبرمَجَة غنية جداً. ترتكز برمجة المترو على عروض الكباريه التي اتخذت أسماء عديدة مثل "عالم التفنيص" و"العميل الملتهب والراقصة المزدوجة". تعتمد تلك العروض على تقديم لوحات فنية، من غناء وعزف ورقص حتى السحر، يؤديها فنانون شباب، هواة ومحترفون. يربط اللوحات عريف الحفل روبرتو القبرصلي، وهي شخصية اختلقها ويؤديها بنفسه المدير الفني لمترو المدينة هشام جابر، الممثل والمخرج اللبناني. هي شخصية تستقبل الجمهور وتربط اللوحات الفنية عبر مشاهد من الستاند أب كوميدي، مرددة دائماً أبداً مذهب الكباريه: "بمترو المدينة تَعا فرفرش وسَلّينا، تعا فرفش تعا طقّش كاسات وملينا". ذلك النوع من العروض الذي يجمع الذوق الرفيع، والموسيقى الشعبية الجيدة، والاحتراف الفني بالفرح والمرح، كان هدف الفريق المشرف على مترو المدينة. تقديم عروض يقصدها الجمهور من مختلف الطبقات الاجتماعية للاستمتاع بوقته وتذوق فن جميل والتعرف على مواهب جديدة. 




في أحد العروض الذي ما زال مستمراً على خشبة مترو المدينة، "هشّك بشّك شو"، تم اختيار حوالي 20 أغنية تعود إلى الفترة ما بين عشرينيات وسبعينيات القرن الماضي. أغنيات من التراث الشعبي المصري المتنوع لزكريا أحمد وعزيزة المصرية وسيد درويش وليلى نظمي و شاديا وسعاد حسني. فرقة موسيقية تعزف الموسيقى الحية على المسرح، مع مغنين، وراقصة، و"الواد بتاع الفرقة". يقدم "هشك بشك شو" تحية إلى زمن الكباريه المصري، والفن الشعبي ضمن سياقات وديكورات متنوعة من الكباريه إلى الصعيد، مع ثيابها وأكسواراتها وفيديوات في الخلفية. إلى جانب تلك العروض، لا تتوقف السهرات الفنية في المترو، إذ يستقبل وينظم دائماً حفلات للفنانين الشباب العرب والأجانب ومن جميع الأنواع الموسيقية، لاسيما البديلة منها. كما يقدم "شرقي حاف" عروضاً تعيد التوكيد على جمالية الرقص الشرقي والاستمتاع به مع راقصين محترفين وهواة، نساء ورجال. كما لجمهور المترو موعد ثابت مع عرض الأفلام، وكذلك لعشاق الفوتبول مباراة تعرض على شاشة كبيرة، بالإضافة إلى سهرات قراءات نصوص روائية وشعرية. و"مترو بازار" يفتح أبوابه من فترة إلى أخرى للجميع لشراء وبيع الأغراض المستعملة. دون أن ننسى العروض المسرحية والنشاطات والمهرجانات الفنية المختلفة التي تتوزع على فضاءات بيروت. سهرات وفعاليات فنية وثقافية وترفيهية لا حدود لها في مترو المدينة أصبحت جزءاً أساسياً من الروزنامة الثقافية لمدينة بيروت، استطاع عبرها المترو في فترة وجيزة أن يثبت له مكانة خاصة. كذلك سدّ ثغرة غياب هكذا فضاءات تؤمن فناً محترفاً من الشعبي إلى البديل ضمن سياق وإطار ترفيهي. 



قد لا يستطيع مترو المدينة بسهولة إيصال مواهب جديدة إلى الشهرة التي نالها الفنانون في كباريه بديعة مصابني، وذلك لأن حيتان الإنتاج الفني تسيطر على السوق الفنية في العالم العربي اليوم، ولكنه بالتأكيد يلعب دوراً مهماً جداً في تأمين مساحة تواصل خلاقة وممتعة، ما بين الجمهور والمواهب الجديدة أو الفنانين المستقلين.    


تماثيل الحكّام كما هدمها الفنانون





رفْعُ التماثيل في الساحات العامة، إحدى الظواهر التي رافقت الأنظمة الديكتاتورية. كلما جلس ديكتاتور على كرسي الحكم، عمد إلى زرع تماثيل تجسده في جميع أنحاء بلاده، علامة على تأكيد سلطته على الأرض، وتذكيراً للشعب الذي يحكمه بأنه السلطة العليا. كان من الطبيعي إذاً على الشعوب العربية التي خلعت حكامها أن تخلع تماثيلهم، وتحرر ساحاتها العامة من ذكراهم. بسبب استحالة وصول الشعوب المقموعة إلى تهشيم الديكتاتور بذاته، لجأت إلى تهشيم وتحقير تماثيله. أفعال تكررت كثيراً منذ إسقاط تمثال صدام حسين في العراق، متخذة أشكالاً مختلفة في كل من تونس ومصر والبحرين واليمن وسوريا، أمّا في ليبيا فقصة أخرى. مشاهد التقطتها عدسات الكاميرات العالمية، وتدوالتها وسائل  الإعلام، كما الشعوب العربية على مواقع التواصل الاجتماعي، علامة انتصار.


تلك الظاهرة لم تكن بعيدة عن انشغال الفنانين المعاصرين العرب في ترجمة تفاعلهم مع ما يجري من حولهم.  الفنان اللبناني علي شرّي، قدّم خلال السنوات الأخيرة أعمالاً عديدة تناول فيها موضوع التماثيل في سوريا. انطلق شرّي في أعماله من قرار الرئيس السوري الحالي بشار الأسد إزالة تماثيل أبيه الرئيس حافظ الأسد من المناطق التي قد تقع تحت سلطة الثوار، خوفاً من تحقيرها. فقدم تجهيزاً فنياً تحت عنوان "أنبوب الأحلام". على الحائط في الخلفية يعرض فيديو لعملية إنزال أحد التماثيل الضخمة للأسد الأب. يظهر في الفيديو عمال يقومون بواسطة رافعة كبيرة بإنزال التمثال، برفق شديد، وحمله على ظهر شاحنة كبيرة، ثم تغطيته بالقماش قبل نقله بعيداً. أمام الحائط، وضع شرّي تلفيزيوناً صغيراً يلقي بظله على الفيديو الخلفي. على شاشة التلفاز، يعرض المقابلة التي أجراها الرئيس الراحل الأسد مع رائد الفضاء السوري "محمد أحمد فارس". حوار يظهر عظمة الرئيس، وافتتان رائد الفضاء به، ووصف الأخير للأرض سوريا مثلما يراها من الفضاء، (رغم استحالة ذلك). رائد الفضاء السوري ظهر في عمل آخر لشري، "أبطال النهوض والسقوط". تمثال من الكروم بارتفاع 55 سم لرائد فضاء بلا رأس. إسوة بالتماثيل التي نصبها الرؤساء لذاتهم، قرر شرّي صنع تمثال من الكروم لرائد فضاء، ولكن هذه المرّة بلا رأس. خيار يمكن ترجمته على ضوء إعلان محمد أحمد فارس انشقاقه عن النظام مؤخراً، كتمثال يجسد فارس بذاته، ولكن أيضاً يتسع لأن يُرفع فوق أكتافه رؤوس كل من ثار على النظام. بالإضافة إلى تقديم لوحة لصورة رقمية تحت عنوان "غبار وهموم أخرى" حيث  تظهر أرض صحرواية رملية نقية في مقدمة الصورة، إلى أن يبدأ الغبار يلفّ تمثالاً للرئيس الراحل حافظ الأسد. صورة أشبه بتلك الصور التي تلتقط للصواريخ قبل اطلاقها. تلك العلاقة ما بين تماثيل الرئيس حافظ الأسد والفضاء في أعمال شرّي، تعيد قراءة عملية رفع وإنزال التماثيل، في مقارنة مع الحلم السوري في غزو الفضاء الذي كان بدأ يتفاعل ضمن الشراكة السورية السوفيتية، والذي اندثر فيما بعد. حلم اندثر، وتماثيل لا تنتظر أحداث التاريخ لتسقطتها، بل يتم إنزالها بهدوء استباقاً للتاريخ، وضجته.  


اختار الفنان اللبناني "فارتان أفاكيان"، من جهته، أن يصنع تماثيل لقادة لم يحالفهم الحظ في صنع تماثيلهم الخاصة. "تأريخ الموجز" ، عمل فني قدمه أفاكيان مؤخراً في معرض دبي الدولي 2013، كحائز على جائزة أبراج الفنية. سبع كرات بلورية بقطر 13 سم. كل منها يحتوي على تمثال بطول 5 سم مصنوع من الذهب، بثقل أونصة ذهب لكل تمثال. التماثيل هنا فليست للحكام الديكتاتوريين، بل لقادة في العالم العربي حاولوا مرّة الانقلاب على الحكام وفشلوا. شخصيات نسيها التاريخ، أو تناساها، ومُنع الحديث عنها. هكذا خصص أفاكيان سبعة تماثيل لسبع شخصيات، لو نجحوا في انقلاباتهم لكانوا نصبوا تماثيلهم. ورغم أنه اختار أن يحفر تماثيلهم بأغلى المعادن، الذهب، لكنه حكم عليهم بعدم الانتصاب عبر وضعهم ضمن بلورات زجاجية. بلورات تتشقلب دائماً، وتشقلب معها التماثيل رأساً على عقب في دوران لا متناه.


حظيت التماثيل والنصب المقامة في الساحات العامة على اهتمام الفنانة المصريةإيمان عيسى، حتى قبل الثورة في مصر وخلع الرئيس حسني مبارك. خلال عامي 2010 و2011 عملت عيسى على مشروع فني تحت عنوان "المواد من أجل"، حيث قدمت اقتراحات لنصب تذكارية جديدة تحتل مكان تلك المتواجدة في الساحات العامة، دون الإشارة المباشرة إليها. فعيسى تعتقد أن النصب الحالية فشلت في تمثيل أشخاصها أو موضوعاتها، لذا وجب البحث عن أشكال أخرى لها. مجموعة من 9 اقتراحات، تقدم أعمالاً تجريدية لنصب تذكارية، ترافقها نصوص مشكلة العنوان، وجزءً من النصب في الوقت نفسه. في عام 2007، قدمت عيسى كذلك عملاً بعنوان "مقترح لنصب تذكاري لحرب العراق" عبارة عن فيديو بمدة 5 دقائق، يبرز حالة اللامبالاة التي اكتسحت المشاهد أمام دفق الصور العنيفة. فيديو مبني على مشاهد من الحرب على العراق، ومن أفلام سينمائية تظهر بغداد، يضاف إليه صوت معلّق على المشاهد، غير مبالٍ بفظاعة ما يصف.


تلك ليست سوى أمثلة قليلة عن موضوع لطالما شغل فناني الفن المعاصر. إن كانت جميع النصب والتماثيل التي رفعها الحكام يوماً في الساحات العامة، من صنع فنانين، فإنه من الطبيعي أن يكون الفنانون المعاصرون أول من يسائل تلك النصب، ويحاول هدم المفاهيم التي تختزنها. أعمال فنية، رغم أنها محصورة في صالات العرض، ولجمهور نخبوي، لكنها تقدم طرحاً فكرياً وتحليلياً عن مسافة نقدية في المكان والزمان. طرح ضروري يضاف إلى الفعل العفوي الذي دفع بالشعوب إلى تهديم تماثيل ونصب الحكام المخلوعين.


فرقة "الألف": الموسيقى في مختبر التجريب



في الفترة الأخيرة، تنامت التجارب الموسيقية الجماعية، وخرجت إلى الضوء فرق جديدة، في عدة بلدان عربية، خصوصاً في مصر والأردن ولبنان. فرقة تحيي حفلة هنا، وفرقة تسجل إسطوانة هناك، وأخرى تطلق أغنية على موقع "يوتيوب". بعض تلك الفرق نجح في الوصول إلى التسجيل الثاني، وبعضها الآخر غرق في نجاح أغنية أو إثنتين. أما المشكلة، أو الحالة العامة، التي تشترك فيها غالبية هذه الفرق، فهي انحصار جمهورها ببعض الأصدقاء، والمقربين، وهواة موسيقى الأندرغراوند، من دون أن تتمكن هذه التجارب من اجتياز تلك الدائرة الضيقة إلى الجمهور الأوسع. لكن، بالتأكيد، ثمة استثناءات لهذه الحالة، مثل الفرقة اللبنانية "مشروع ليلى" التي استطاعت، خلال فترة وجيزة، تثبيت وجودها على الساحة الفنية، وحضورها في مهرجانات محلية وعالمية، وتسجيل ثلاث إسطوانات حتى اليوم مع مبيع كثيف ملحوظ. لكن، ما الذي يجعل من فرقة "الألف"، التي ولدت قبل عام من اليوم، متميزة في محيطها الموسيقي العربي؟

جرت العادة، إذا أراد مغنّ منفرد إطلاق أغنية، على أن يلجأ هذا الأخير إلى اختيار نص يعجبه، ثم يوكله إلى ملحن، فيوضع اللحن بما يتناسب مع الكلام والقدرات الصوتية للمغني، وهكذا تولد الأغنية. هذا المسار، تعتمده الفرق الموسيقية أيضاً، التي يختار أفرادها، بصفتهم الجماعية، النصّ ثم اللحن. أما في فرقة "الألف"، فاللحن يسبق الكلام. بالطبع، ليس كسر القاعدة هدفاً بحد ذاته، أو مجرد وسيلة للتميّز؛ بل لأن ما يجمع أعضاء الفرقة هي الموسيقى قبل الكلام. فللشباب تجربة خاصة، كلٌّ مع آلته، قبل أن يجتمعوا معاً. هكذا، كان من الطبيعي أن يرتكز لقاؤهم على الموسيقى كعنصر أساسي في الخلق الفني. بل يمكن القول إن أعضاء "الألف" ذهبوا أبعد من ذلك، إلى البحث عن أطر، أصوات، وأنماط موسيقية جديدة.

في حديث لـ"رصيف22"، يقول خيّام اللامي، مؤسس الفرقة وعازف العود فيها: "ما كانت "الألف" لتبصر النور لولا إجماع أعضائها على دخول مغامرة التجريب، المعروف بشروطه الخطيرة وغير المضمونة نتائجها". هكذا، اجتمع اللامي بخالد ياسين (إيقاع – لبنان)، وموريس لوقا (موسيقى إلكترونية – مصر)، وتامر أبو غزالة (غناء وبزق – فلسطين)، وبشار فران (باص – لبنان). كل واحد من هؤلاء، أحضر آلته وانضم إلى زملائه ذوي التجارب المختلفة عنه، ليحاورهم موسيقياً، ولكي يكون شريكاً في مختبر تجريبي لأصوات وتقنيات فنية مختلفة. هكذا، تتجسد فرادة الفرقة في تنوع المدارس والخلفيات الموسيقية والثقافية لأعضائها. فتجربة جميع هؤلاء الموسيقيين المنفردة، قبل تأسيس الفرقة، واختباراتهم المتعددة في الأنواع الموسيقية، إضافة إلى عزفهم على آلات مختلفة، والعمل مع موسيقيين محليين وعالميين، جعلت لكل منهم خلفية موسيقية غنية وجاهزة للتوظيف في قالب جماعي جديد. 

موسيقياً، نجحت "الألف" في خلق مساحة يتشارك فيها هؤلاء الفنانون بصهر تجاربهم في مختبر فني واحد، وبالعمل سوياً مع أصوات فنية جديدة لم يألفوها من قبل. فخلال التمارين، تنطلق الارتجالات الحرة من العود والبزق والإيقاع، التي يستلمها لوقا ويعيد ضخها إلكترونياً للفرقة، فيتنامى الحوار الموسيقي. رويداً رويداً، تتشكل الأصوات، وتتناغم، لتتألف الجمل الموسيقية. أما الكلام، فيأتي متأخراً، بعد تخمر المضمون الموسيقي لكل مقطوعة. غالباً ما يجري اختيار الكلمات من قصائد عربية، بحسب ما توحي به الموسيقى المولودة حديثاً. فأغنية "الجثة"، مثلاً، اختيرت كلماتها من قصيدة للشاعر العراقي سركون بولص من ديوانه "عظمة أخرى لكلب القبيلة". كما اختار أعضاء الفرقة غناء قصيدة "هنالك موتى" للشاعر الفلسطيني محمود درويش. هكذا، يتولى تامر أبو غزالة إدخال الكلمات المختارة للحن، لتصبح بمَغْناها آلة تضاف إلى المقطوعة الموسيقية. والنتيجة؟ خلق موسيقي لا يمكن حصره بنوع أو مدرسة ما، بل هو مزيج من الشرقي، والروك، والإليكترونيكس، مع نصوص باللغة العربية الفصحى، لتتشكل هوية موسيقية خاصة بفرقة "الألف". 

الفرقة التي تأسست عام 2012، قدمت حتى اليوم حفلات في كل من لندن وبرمينغهام، وليفيربول وهاروغايت في بريطانيا، إضافة إلى حفلات في بيروت وعمان وتونس والإسكندرية والقاهرة. في رصيد "الألف"، اليوم، 7 أغان، لم تصدر في ألبوم، هي "هولاكو"، "الجثة"، "حَصاة"، "سقط الرجل" (كلمات هذه الأعمال من قصائد سركون بولص)، و"انتظرها"، "هنالك موتى" (من قصائد محمود درويش)، و"اعتراف" (من قصائد فيحاء عبد الهادي)، إضافة إلى مقطوعة موسيقية هي "نشاب سيكاه".

مرت سنة، إذاً، على تأسيس الفرقة. ويمكن القول إن "الألف" انطلقت ببداية موسيقية واعدة جداً. وعبر طرحها الموسيقي الجديد، في القالب والمضمون، وجدت الفرقة مكانة على الساحة الفنية، ولن يصعب عليها ضمان استمراريتها، لطالما بقيت على المسار الذي عرفناها به. وعلى الرغم من أن توزع الموسيقيين في بلاد مختلفة يعيق عجلة التمرينات، وغزارة الإصدارات الفنية حالياً، إلا أن ذلك يلعب دوراً إيجابياً في تروّي الفرقة وتخمّر مؤلفاتها الموسيقية على مهل. 

من المؤكد أن "الألف" تضيف اليوم إلى الساحة الفنية عملاً جماعياً من إمضاء موسيقيين شباب مهمين جداً في محطيهم الفني العربي. ولكن الأهم أن الفرقة استطاعت تقديم تجربة موسيقية فريدة تتخطى التصنيف المدرسي إلى خلق تأليف موسيقي يحمل هوية لم نعتدها، لا في الموسيقى الشرقية ولا الغربية، من دون أن تسقط في هشاشة الدمج السطحي المرتجل، الذي قد نقع عليه مع فرق أخرى.         

"أعضاء الألف"

خيّام اللامي  مؤسس الفرقة، موسيقي وعازف عود عراقي ولد في دمشق ثم انتقل إلى  لندن. درس العزف على آلة العود على يد الفنان العراقي إحسان الإمام. ثم سافر إلى القاهرة للبحث والدراسة في بيت العود العربي وإلى إسطنبول للدراسة مع أستاذ محمد بيتم. حاز على منحة بحثية عبر برنامج World Routes التابع للإذاعة البريطانية BBC راديو 3. وفي عام 2001 نشر ألبوم عود منفرد، الأول له، بعنوان "رنين أقل".

خالد ياسين عازف إيقاع لبناني، اشتهر بتطوير أسلوبه الخاص في فهم وترجمة الإيقاع كصوت منفرد وليس فقط كمرافق لآلات أخرى. تعلم العزف عصامياً على آلات الإيقاع الشرقية واللاتينية والأفريقية كما على الكاخون. ثم  طور مشاركته في التأليف الموسيقي خاصة لعروض مسرحية، ورقص معاصر. عزف مع فنانين محليين وعالميين كثر مثل وردة، وإلهام المدفعي، وإيريك تروفاز، ورينيه ماكليين، وأنور إبراهم. 

موريس لوقا من أهم الفنانين اليوم العاملين في الموسيقى التجريبية في مصر. مع محمود والي، ومحمود رفعت أسس لوقا عام 2005 فرقة ”بيكيا“ في القاهرة. وتابع تقديم موسيقاه الإلكترونية منفرداً على الكيبورد سامبلر. كما شارك في تأليف الموسيقى لأعمال فيديو ومسرح مثل مع المخرج شريف العظمة.

تامر بو غزالة عازف عود وبزق ومغن فلسطيني. ولد في القاهرة قبل أن يتمكن من العودة إلى رام الله حيث درس في معهد الموسيقى. عمل منفرداً وأصدر أول إسطوانة ”المرآة“ في عام 2008. كما شارك في تأسيس فرق موسيقية عدة وتعاون مع موسيقيين من مصر والأردن وفلسطين على مشاريع عدة مثل "كازامدا"، و"جهار"، وعلى عمل جماعي مسرحي مع فرقة الطمي المسرحية تحت عنوان "ثورة قلق".  

بشار فران  عازف باص لبناني، عزف مع فرقة زياد سحاب وشحادين يا بلدنا، كما مع  فرقة ريان الهبر كمرافق على آلته للتخت الشرقي الموسيقي. كذلك عزف الباص ضمن الموسيقى الغربية من الجاز إلى الروك، إلى جانب فنانين مثل رائد الخازن، وقد يكون DnB Project المشروع الأهم الذي خاضه فران مؤخراً إلى جانب عازف الدرامز فؤاد عفرا، وعازفة الموسيقة الإلكترونية ليليان شلالا. 

مشروع ليلى يحتل البوب العربي



فعلاً نجحت فرقة "مشروع ليلى" بجمع مبلغ 67,273 $  لإنتاج ألبومها الثالث "رقصوك". إنها المرة الأولى التي تلجأ فيها فرقة موسيقية عربية إلى منصة تمويل جماعي Crowdsourcing لجمع الأموال من معجبيها، وخلال فترة شهر واحد فقط، وعبر 544 متبرع، تم تحقيق الهدف. "مشروع ليلى" كان أول مشروع يتم عرضه على منصة تمويل عربية جديدة تحمل اسم "ذومل" ، ومع نجاحه في جمع المبلغ المطلوب، نجحت أيضاً المنصة الجديدة في انطلاقتها العربية، لتنضم إلى مثيلاتها العالمية مثل العالمية “Indiegogo” و “Kickstarter”. عبر تلك الخطوة استطاعت الفرقة تحقيق الهدف المباشر بتغطيتها تكاليف إنتاج ألبومها الثالث "رقصوك"، من تسجيل محترف في إستوديو في مونتريال، وطباعة الألبوم بجودة عالية، وتصوير فيديو كليبات، إضافة إلى إحياء حفلة إطلاق الألبوم الجديد في 28 أوغسطس في ميوزيك هول في بيروت. كن أيضاً استطاعت الفرقة أن تثبت أن الجمهور العربي ما زال مهتماً بالتجارب الموسيقية الشبابية المستقلة. خلال طرحها على ذومل، توجهت الفرقة للجمهور العربي قائلة: ساعدونا على إثبات أن صناعة الموسيقى في عالمنا العربي لا تعكس صورة شعبنا ولا ذوقه / ساعدونا لتتوقّف صناعة الموسيقى عن إعادة تدوير نفس "النجوم" لكن بأسماء مختلفة / ساعدونا على المطالبة بفن أفضل / ساعدونا على المطالبة بالتنوّع في بيئتنا الثقافية / ساعدونا على إجبار هذه الصناعة للإصغاء إلى الناس / ساعدونا كي لا يرقّصونا على أنغامهم وحركاتهم؛ وتشتك طَمْ طَمَاتِهِم / ساعدونا على استرجاع البوب العربي. تلك المطالبات لم تحصد بعض "اللايكات" و"التشيير" على مواقع التواصل الاجتماعي  فقط، بل على 67,273 $ ، مما يعني أن فئة مهمة من الجمهور العربي فعلاً تبحث عن إنتاج موسيقي بديل عن البوب العربي المطروح في السوق. 

الفرقة التي انطلقت عام 2008 من تجربة عفوية جمعت أفرادها خلال دراستهم الجامعية داخل حرم الجامعة الأمريكية في بيروت، وبتمويل ذاتي، أصبحت اليوم، بعد خمس سنوات، إحدى أشهر الفرق الشبابية العربية. خلال السنوات الأخيرة قدمت الفرقة حفلاتها في لبنان، في مهرجانات دولية مثل جبيل وبعلبك، وجالت على العديد من العواصم العربية: تونس وعمّان ودبي والقاهرة، كما قدمت حفلات في كل من تركيا وفرنسا. أما اليوم ولإطلاق الألبوم الجديد، وبعد حفلة بيروت، تتوجه الفرقة إلى دورة عالمية تنطلق من عمّان إلى مونتريال، تورونتو، نيويورك، باريس، لندن، وبروكسيل. مشروع ليلى يحتل البوب العربي #occupyarabpop  



بيت ورق



منذ أقل من سنة توجه دايفد حبشي، جوان باز، أشلي فيبي شقير، وحسين نخّال إلى منطقة رأس النبع في مدينة بيروت ليتفقدوا منزلاً مهجوراً. يومها لم يكونوا مدركين أن تلك "الخربة" سوف تصبح مقراً لجمعيتهم الثقافية، ويفتتحونها في شهر يناير من عام 2013 لاستقبال جميع المهتمين بالفن، خاصة العاملين في الوسائط المتعددة، تحت إسم "بيت ورق". كانت حالة البيت مزرية، لكن إعجاب أعضاء المجموعة بهندسته وحديقته وموقعه خارج الوسط الثقافي البيروتي، دفعهم لاتخاذ قرار سريع باستئجاره وتقاسم أعباء إعادة تأهيله بأسره، التي قاربت 10,000 $، ليتحول إلى ما هو عليه الآن. 


كان من الضروري في بادئ الأمر أن يتم تنظيف المكان وإعادة دهنه. تصرّ المجموعة في حديثها لرصيف 22 على شكر "المعلم رجب" الذي من دونه لما كانوا انتهوا من العمل حتى الآن. لكن حسين نخّال يؤكد لنا أن مكبّ النفايات قرب المنزل كان مصدراً مهماً لفرش البيت. "كان أهل المنطقة يستغربون جداً كلما رأونا نحن الأربعة نتوجه سوية إلى مستوعبات النفايات نتأملها ونخرج منها درفة شباك، أو خزانة قديمة، أو صندوقاً خشبياً... أما اليوم فأصبح كل من أراد من الجيران رمي قطعة أثاث قديمة، نراه يقرع بابنا يسألنا إن كنا نريدها". هكذا قامت المجموعة بفرش البيت وحديقته، عبر إعادة تأهيل قطع قديمة، أو فرطها لإعادة تصنيع قطع جديدة. كذلك ومنذ شهرين نظمت المجموعة نشاطاً خلال نهاية الأسبوع، دعوا عبره الأصدقاء والراغبين إلى ورشة عمل لإعادة تأهيل ثانٍ لبيت ورق، مع Barbecue في الحديقة.  


تهدف المجموعة إلى تحويل بيت ورق إلى مساحة يتلاقى فيها الفنانون العاملون في مجالات عدة ما بين المسرح، الرسم، الأفلام، والرقص والموسيقى... لكي يتشاركوا أعمالهم، همومهم، وأفكارهم، وربما تنشأ من هنا أعمال مشتركة. مساحات مثل هذه تدعوا إلى تلك التعددية الفنية قليلة في بيروت والعالم العربي. لتحقيق تلك الغاية يتم تنظيم نشاطات عامة وعفوية في معظم الأحيان، مثل إفطار أقامته المجموعة مؤخراً، وعروض أفلام، ولقاءات فنية تجمع ما بين الموسيقى والرقص وفن السينوغرافيا المرتجلة، تحمل في كل مرة إسم إعصار ما، فكان الأخير بإسم "كاترينا"، دون أن ننسى الليالي الساهرة في حديقة البيت. تهتم مجموعة ورق لهكذا نوع من النشاطات، لأنها تفسح مجالاً أمام المشاركين فيها بالتعرف عن كثب على المكان وعلى أفراد المجموعة، كما تشكل تلك النشاطات إطاراً يتضمن لقاءات وأحاديث ونقاشات، ثقافية كانت أم لا.  


بالإضافة إلى ذلك تنظم المجموعة ورش عمل متخصصة تتداخل فيها دائماً الوسائط المتعددة بهدف إغنائها، وترتكز على الارتجال والأسلوب التفاعلي. جزء كبير من تلك الورش يتم تنظيمها في بيت ورق، وتكون مفتوحة لكل مهتم مقابل مبلغ اشتراك رمزي. هكذا قدم Bastien Dubois ورشة عمل في فن التحريك، وقدمت المجموعة ورشة أولى في خلق الشخصيات وتصنيع الدمى، سوف تُلحق بدورة أخرى يعمد فيها المشاركون إلى تطوير عرض في مساحة البيت وحديقته مستندين إلى الدمى والسينوغرافيا التي يختارونها. كما كان للكتابة الخلاقة ورشة بقيادة الزميل رأفت مجذوب. أما سلسلة "ورش ورق" فإنما يعلن عنها تباعاً عبر روزنامة المجموعة الإلكترونية وتتخذ في كل مرة موضوعاً وأسلوباً جديدين، دون أن تهمل تخصيص ورش للأطفال، وجميع الفئات العمرية. أما خارج البيت، تشارك المجموعة في نشاطات ثقافية، وخاصة في المنطقة العربية والبلدان المجاورة. فكان سبق لها أن شاركت في تنظيم وقيادة ورش عمل في كل من دبي، سوريا، إيران، وإيطاليا. حالياً يتحضرون للمشاركة في مهرجان الشارع في بيروت، ومهرجان آخر تنظمه "مجموعة كهربا" على درج الفاندوم في منطقة مار ميخائيل النهر – بيروت تحت عنوان "نحن والقمر والجيران"، كذلك يتحضرون للسفر إلى أرمينيا لإقامة ورشة في مدينة يريفان. 


جميع تلك النشاطات الثقافية والترفيهية التي تملأ فضاء المنزل، وغيرها مما لم يذكر هنا، ومنها الذي ما زال طيّ التحضير يبقى الشاغل الدائم لمجموعة ورق. فيما يبقى الهمّ الأكبر استمرار العمل، والتوسع في التعاون مع فنانين من مختلف البلدان العربية، إذ أن المجموعة لا تحصر تطلعاتها بالساحة الفنية اللبنانية فقط. هنا تجدر الإشارة إلى إصرار المجموعة على التواصل مع البيئة التي من حولهم، وارتباط مشاريعهم بالمدينة وسكانها، وليس الانعزال ضمن قوقعة المثقفين. أما أهل الحي الذي لم يعرف يوماً نشاطاً فنياً بهذا الحجم، فقد أطلقوا على بيت ورق لقب "البيت الأصفر" بسبب الطلاء الذي اختارته المجموعة للجدران، وأصبحوا يدلون إليه كل تائه في المنطقة ذو "هيئة فنان"! أما أبواب "البيت الأصفر" فدائماً مفتوحة لأهل المنطقة، وغيرهم للعمل، والرسم، ومجالسة المجموعة، أو فقط لتمضية وقت مريح في الحديقة.  


حتى اليوم ما زالت ميزانية جمعية ورق، التي تشمل تكاليف البيت والنشاطات، تُؤمَّن بجزء بسيط من مداخيل ورش العمل المدفوعة، فيما يتقاسم أفراد المجموعة ذاتياً الحصة الأكبر من التكلفة. وإن كانت سياسة التمويل قائمة حتى الآن على الادخار من المشاريع الشخصية والخاصة خارج إطار العمل ضمن المجموعة، إلا أن أعضاء المجموعة يبحثون حالياً عن سبل لتغطية تلك النفقات عبر صناديق الدعم الثقافية، وذلك لضمان استمرارية العمل، وحتى تحقيق الهدف بتقديم ورش العمل، وبوتيرة أكبر، مجاناً للراغبين بالمشاركة. 
إن أهمية مشروع بيت ورق ونشاطات المجموعة المختلفة تصب في إيمانهم بأهمية العمل الثقافي المباشر مع أفراد المجتمع المحيط بهم، وتوفير مساحة لتلاقي فنانين من خلفيات ثقافية متنوعة وعاملين بوسائط فنية متعددة. منذ أقل من سنة حين كنت تعبر من حي "نبع اللبن" في منطقة رأس النبع، لكنت مثل المار في أيّ حي شعبي آخر، أما اليوم أصبح في أحد زواريبه "بيت ورق". حتى أهل الحي يعلمون أن هنالك شيئاً أساسياً في حياتهم اليومية قد تغير. يا ليت في كل حي من مدننا العربية تولد بيوت ورقية لتزرع الأمل بمستقبل أفضل قائم على الخلق والحوار. 

أعضاء ورق

واظب حسين نخّال على أكل المفتقة وشرب الورد منذ الصغر.  يهوى تغيير الوظائف والمداورة والإخراج والكتابة والرسم والتمثيل والمساج  والطبخ. يحاول قدر المستطاع اكتشاف الفنون التفاعلية، وهو مصرّ على إعادة تراموي بيروت للوطن.

تعلم دايفيد حبشي المشي على عمر الشهرين. يهتم دافيد بالرسم والتحريك والتلوين والأشغال اليدوية وزراعة الشوارب وأرشفة تاريخ الوطن . حلم يسعى الى تحقيقه: تصميم عملة لبنانية جديدة خاصة أوراق الـ 50000 والـ 5000.  

ربّت جوان باز في صغرها دجاجتين، كلبًا، نملاً و جملاً. يروق لجوان التعبير عن نفسها بالرسم، إخراج التحريك،  تزيين ديوان البيت، و تكسير الشبابيك. حاليًا، هي بصدد إصدار تجهيز جديد عن يومياتها في غرفة بيت بيروتي قديم، كان يقطنها إثنا عشر ولداً.

ترعرعت أشلي فيبي شقير في قرنة شهوان قرب مصنع دوبامين. اختصاصها المفضّل هو التحريك، كما أنها تتقن الرسم والغناء، وطولة البال والترتيب. أشلي لا تفوّت على نفسها أي تفصيل حركة، أو صوت. اليوم هي مثابرة على اكتشاف حركة وتفاصيل أم رعيدة وأبو كيس.