كيف تتوالد الضاد في زمن النت؟


بدءاً من اليوم، تنظّم «الجمعية اللبنانية للفنون التشكيلية ـ أشكال ألوان» منتدى يناقش تأثير العالم الافتراضي على كلّ من العربية الفصحى واللهجات العامية بمشاركة مجموعة من الأكاديميين والباحثين والصحافيين والفنانين، على أن تتوّج الورشة بكتاب يصدر في الخريف المقبل. 
تحتلّ العربية اليوم المركز الرابع عالمياً ضمن أكثر اللغات استخداماً على الشبكة العنكبوتية بعد الإنكليزية والصينية والإسبانية. قد يبدو الأمر بديهياً إذا ما أحصينا عدد الناطقين بها في البلاد العربية الـ 12، إضافة إلى عوامل أخرى. لكن هذا النمو يعود أيضاً إلى أسباب عدة منها تبلور خيار لدى الناطقين بالعربية بالتفاعل مع الشبكة العنكبوتية عبر لغتهم الأم، بعدما كانت الإنكليزية أو الفرنسية اللغتين المستخدمتين. أثرت الثورات العربية في تزايد الناشطين على مواقع التواصل واستخدامهم العربية بهدف الوصول إلى أوسع شريحة ضمن أوطانهم. كذلك، تنامى أخيراً دور مؤسسات عربية تعنى بإغناء محتوى اللغة العربية على الويب.
وإذا كانت العقود الأخيرة غارقة في التحسر على انخفاض مستوى قراءة الأدب العربي، واتهام الشباب بأنه غير مهتم بلغته وتطويرها، فإن واقع اللغة العربية على الشبكة يشير إلى العكس: الشباب العربي ربما يبحث عن فضاءات أخرى لممارسة جديدة للغته الأم أولها الفضاء الافتراضي. ضمن هذا السياق، تنظّم «الجمعية اللبنانية للفنون التشكيلية - أشكال ألوان» اليوم منتدى «اللغة العربية وشبكات التواصل». يشرف على الحدث اللغوي والمؤرخ اللبناني أحمد بيضون الذي يقدم اليوم ندوة الافتتاح بعنوان «عامّياتٌ يُكْتَب بها وفصحى حواريّة؟ (تأمّلٌ في عربية الفايسبوك)» وتشاركه في الإشراف منال خضر.
المنتدى عبارة عن ورشة عمل تناقش على مدى ثلاثة أيام، تأثير العالم الافتراضي على كلّ من العربية الفصحى واللهجات العامية وعلى العلاقة بينهما. تتوّج الورشة بكتاب يصدر في خريف ٢٠١٥، يضمّ نسخاً مطوّرة لمجموع أوراق الورشة. يعرّف القائمون المنتدى بأنّه مشروع لمحاولة الرد على سؤال يتردد في أوساط المعنيين باللغة العربية: هل باتت لغتنا بالية وآيلة إلى الانحسار في ظل عالم سريع، مع كل التحديات التي تواجهها في العالم الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي؟ المساهمون في المؤتمر ليس جلّهم من الأكاديميين، بل هم أيضاً يمارسون اللغة العربية في حقول مختلفة من الرواية إلى المسرح إلى الكتابة الصحافية.
كما تشتمل ورشة العمل على عرض أدائي للمسرحي اللبناني يحيى جابر بعنوان «هذا حائط ١٩٧٥- ٢٠١٥» عن تطور لغة  الشعارات على حيطان المدينة وصولاً إلى تطورها مع لغة حائط فايسبوك. يرافق العرض موسيقى حية مع طارق بشاشة. أما ختام المنتدى، فيترك لشخصيّة اشتهرت بلقب «مليونيرة الويبة» التي فرضت وجودها على المساحة الافتراضية خلال السنوات الأخيرة من مصر إلى سائر الدول العربية... إنّها أبلة فاهيتا وهي موضوع الندوة الأخيرة التي يقدّمها الباحث الأكاديمي والمترجم للأدب العربي التراثي والحديث فريديريك لاغرنج، تحت عنوان «مقاربة لغوية لدمية وقحة». أكثر من ذلك، ستحضر أبلة فاهيتا خصيصاً إلى بيروت لتقديم عرض حيّ وإقامة أوّل نقاش مباشر لها مع الجمهور. ولهذه المناسبة، اختارت اطلالة خاصة من توقيع مصمّم الأزياء اللبناني كريكور جابوتيان. ليس خيار اختتام الندوة مع أبلة فاهيتا بديهياً، بل إنّه يدلّ على نيّة صريحة من قبل القائمين على المنتدى بتقديم تلك الظاهرة، إلى جانب اللغويين والأكاديميين والأدباء ضمن نقاش يدور حول أثر شبكات التواصل على اللغة العربية. خلال السنوات الأخيرة، استحدثت الأبلة مفردات خاصة ضمن اللغة العربية تتداولها في مشاهدها على يوتيوب وتويتر وفايسبوك. مفردات تبنّاها وتداولها جمهورها الواسع والمتفاعل معها.
ضمن البرنامج أيضاً، تقام ندوات حول «اللغة والعنف في الخطاب الإلكتروني لتنظيم الدولة الإسلامية» مع حسن أبو هنية، و«العامية المصرية: بديلٌ للفصحى أم غيتو لغوي؟» مع منصورة عز الدين، و«في تلاقي وافتراق العربية الفصحى والمحكية اللبنانية: رحلة بين وسائط تقنيّة وفنيّة» مع هلال شومان، و«تراجيديا الكرد واللغة العربية، من سليم بركات حتى الفايسبوك» مع رستم محمود، و«حالات فايسبوكية: المونديال مثالاً- لا مثقف، لا كاتب، لا صحافي: غواية العمومية» مع يوسف بزي.
وبما أنّ المنتدى يتناول أثر شبكات التواصل على العربية، كان لا بدّ من خلق صفحة على فايسبوك وتوتير. الأهمّ أنّه يمكن لكل مهتم بالمنتدى لا يستطيع الوصول إلى بيروت، متابعة جميع فعالياته عبر بث حيّ على موقع المنتدى الإلكتروني والمشاركة في النقاش عبر استخدام هاشتاغ: #اللغة_العربية_اليوم .
منتدى اللغة العربية وشبكات التواصل: من 26 حتى 28 شباط (فبراير) ـــ فضاء «أشكال ألوان» (جسر الواطي - بيروت)ـ


فؤاد الخوري يواصل «مسلسله المصري»

بين الثورة الكامنة في طبيعتها وتاريخها الممتد على طول وادي النيل منذ أولى وأعرق الحضارات، يهدي المصوّر اللبناني أعماله الفوتوغرافيّة إلى شعب سطّر التاريخ بأفعاله. معرضه الحالي في «غاليري تانيت» رحلة بين حكايا الماضي والحاضر، والانتفاضات القديمة وتلك المعاصرة.
ليست مصر مادةً جديدة على صور فؤاد الخوري (1952). نظرة سريعة على أشهر البورتريهات التي التقطها في مسيرته كافية لتبيان حبّ المصوّر اللبناني لمصر وأهلها. الشيخ إمام، أحمد فؤاد نجم، نجيب محفوظ، توفيق الحكيم، يوسف إدريس، صنع الله إبراهيم، شريهان وغيرهم التقطتهم كاميرا الخوري في أجمل البورتريهات. عند دخولك الصالة الأولى والكبرى لمعرضه الحالي «مسلسل مصري» في «غاليري تانيت»، تواجهك على الجدران صور عملاقة لما يمكن تسميته «الأهرامات الطبيعيّة في مصر».
وسط الصالة وعلى عامودين متوازيين، وضع الخوري نصاً على العامود الأول عن حركة تمرّد شهدها العصر الفرعوني في مصر القديمة. وفي مقابله صور التقطها خلال «ثورة ٢٥ يناير» وخلع حسني مبارك في مصر المعاصرة. في النصّ الأول، يستعيد الانتفاضة التي تلت موت الفرعون بيبي الثاني عام ٢١٥٠ قبل الميلاد، حين أقدم حكام المناطق آنذاك على حركة عصيان أدت إلى اكتسابهم استقلالاً ذاتياً يمكنّهم من توريث أبنائهم للسلطة من دون أن يكون للفرعون كلمة في ذلك. تلك كانت أولى الثورات التي خضعت لها القوة العالمية الأولى. 


في مقابلها وفي عام ٢٠١١، نشاهد صوراً صغيرة ملتقطة من إحدى تظاهرات الشعب المصري المعاصر التي أدت إلى تنحي مبارك. أمّا حول الحدثين، وعلى جدران القاعة، فصور عملاقة لطبيعة مصر، تظهر هضبات وتلالاً في الصحراء تتخذ شكل أهرامات نحتتها الطبيعة. هكذا يشير الخوري إلى ذلك الامتداد التاريخي في جبروت شعب مصر المتمرد على السلطة منذ الفراعنة حتى اليوم. ينعكس ذلك حتى في طبيعته، التي هي بدورها راحت تنحت أهراماتها الطبيعيّة كي تسلب الفراعنة ذلك الحق الحصري، وتبقيه امتداداً تاريخياً وطبيعياً حتى اليوم بحقّ الشعب بالتمرد على احتكار السلطة.

أما في الغرفة الثانية للمعرض، فيقدّم الخوري استعادة لمجموعة أقدم التقطها في مصر على طول وادي النيل. خلال عام ١٩٨٩ و١٩٩٠، قام الفنان برحلة أعاد فيها سلوك الطريق ذاته الذي سلكه مكسيم دوكان، وغوستاف فلوبير في مصر عام ١٨٤٩. تلك الرحلة التي تعتبر من أولى مجموعات صور السفر الفوتوغرافية، كانت أيضاً عماداً أساسياً للاستشراق الأوروبي. بعد مرور 150 سنة، يحمل الخوري كاميرته ليمشي على خطى الفرنسيين، ويلتقط مجموعة من الصور على امتداد وادي النيل. صور يقول عنها إنّها «بدأت تدير ظهرها، شيئاً فشيئاً، إلى قصة البداية الاستشراقيّة، وتتحول إلى قصّة خياليّة شخصيّة تستند إلى مصر المعاصرة». تتوزع المجموعة على أربعة أقسام وخاتمة: الضفة الشرقيّة للأحياء (المدن)، الضفة الغربية للأموات (الهياكل)، الغياب (القبور) والتقمّص (كوشوك هانم المرأة المصريّة التي كان فلوبير يحبها).

الصور ملتقطة بالأبيض والأسود، تحملنا معها إلى الآثارات الموزعة على طول النيل. يسيطر على جزء كبير منها طيف امرأة تجول داخل الأهرامات وبين تلك التماثيل الضخمة التي خلفتها الحضارة الفرعونية. ثم ندخل إلى القاهرة، وشوارعها، ومقاهيها وناسها. لا يمكن للكلمات أن تقدم وصفاً محقّاً لتلك السلسلة، فسحرها كامن في التفاصيل الملتقطة في كلّ صورة، وفي وسيلة عرضها صغيرة على امتداد شريط صور يلف القاعة الداخلية في المعرض، فيجول عليها المشاهد كمسافر على خطى فؤاد الخوري على طول وادي النيل. أما لتلك المرأة التي سحرت فلوبير، فيخصص الخوري تصويراً شخصيّاً لامرأة مستلقية على ديوان، تظهر ساقيها وتخفي وجهها وراء مروحة. بين الثورة الكامنة في طبيعة مصر، وتاريخها الممتد على طول وادي النيل منذ أولى وأعرق الحضارات حتى يومنا المعاصر، يهدي فؤاد الخوري في «مسلسل مصريّ» صوره الفوتوغرافيّة إلى شعب سطّر التاريخ بأفعاله ولن يستكين.
* «مسلسل مصري» لفؤاد الخوري: - حتى ٦ آذار (مارس) ــ «غاليري تانيت» (شارع أرمينيا - مار مخايل النهر، بيروت) ـ للاستعلام: 76/557662

جعفر بناهي متوّجاً في برلين : «تاكسي» الأمل في شوارع طهران



فعلها رغم المنع والحظر. وإذا لم يستطع حضور الاحتفال الختامي أول من أمس، فإنّ أحداً لم يقدر على أن يمنعه من صنع الفيلم الذي استحق الجائزة الأولى في الدورة الـ 65 من «مهرجان برلين». رائعة سينمائية تظهر العاصمة الإيرانية كما رآها من سيارته، مع شخصيات يومية توّج نقدها إلى الرقابة والسلطة.

أول من أمس، اختتمت الدورة الـ65 من «مهرجان برلين السينمائي الدولي» متوّجة الإيراني جعفر بناهي (1960) بجائزة «الدب الذهبي» عن فيلمه «تاكسي». لـ«برلين» علاقة مميزة مع بناهي. ضمن المسابقة، قدّم فيلمه «تسلل» لينال عنه «الدب الفضي ـــ جائزة لجنة التحكيم الكبرى» عام ٢٠٠٦، ومن ثم فيلم «ستائر مغلقة» الذي نال عنه «الدب الفضي لأفضل سيناريو» عام ٢٠١٣. كذلك، دعا المهرجان بناهي للحضور كعضو لجنة التحكيم سنة ٢٠١١، إثر صدور حكم سجنه في إيران، ليترك كرسيه فارغاً يومها بين أعضاء اللجنة الآخرين.

غير أن كل من تابع أفلام المسابقة الرسمية في «مهرجان برلين» هذه السنة، كان على يقين أن «الدبّ الذهبي» لن يكون إلا من نصيب «تاكسي». بعيداً عن مواقف التضامن، لا يمكن تجاهل تلك الرائعة التي وصفها مدير اللجنة لهذا العام المخرج دارين أرونوفسكي بـ«رسالة حبّ إلى السينما». 
في ٢٠١٠، صدر بحق بناهي حكم بالسجن في إيران لمدة ست سنوات. منع من السفر وإنتاج الأفلام لـ 20 سنة، بسبب مشاركته في تظاهرات ولـ«عمله الدعائي ضد النظام الإيراني». لكن ذلك الحظر لم يمنعه من مواصلة إنتاج أفلامه. عام ٢٠١١، قدّم «هذا ليس فيلماً»: وثائقي صوّره داخل منزله عبر كاميرات رقمية وبعدسة هاتفه. يومها، هُرِّب الفيلم من إيران على USB داخل قالب حلوى إلى «كان». وفي عام 2013، قدّم «ستائر مغلقة» المصوَّر أيضاً في منزله، ليصل الفيلم بدوره خلسة إلى «مهرجان برلين». لكن هذه المرة، خرج بناهي من خلف ستائر منزله إلى شوارع طهران لتصوير فيلمه عبر كاميرا مخبأة في سيارة تاكسي. كما في فيلم «عشرة» للمعلم الإيراني عباس كياروستامي، تستقبل سيارة الأجرة عدداً من الركاب/ الشخصيات، فيما تجول في شوارع طهران. لكن الفرق الأساسي أنّ سائق التاكسي ليس سوى المخرج نفسه. في تصويره لفيلمه الثالث تحت الحظر، لا يتحدى بناهي النظام الإيراني فحسب، بل يعلن خروجه من منزله إلى شوارع طهران وإعادة استملاك مدينته عبر عدسة كاميرته.

داخل التاكسي، نستقبل مع بناهي شخصيات تتناول كلّ منها موضوعاً اجتماعياً وسياسياً معيناً. في البداية، يصعد سارق، ثم بائع الـ«دي في دي» أوميد المعجب ببناهي المخرج. يصرّ على المضي معه في رحلة طويلة، يقودنا عبرها إلى ذلك الشك المتواصل حول الحدود بين السيناريو المكتوب أو المرتجل. في مرات عدة في الفيلم، وأمام أحداث معينة، يتوجه أوميد إلى بناهي، مؤكداً له أنّه يعلم أن ما حصل الآن ليس سوى سيناريو مركّب، مثل اضطرار بناهي إلى حمل جريح وزوجته إلى المستشفى في سيارته. يصرّ الجريح على تسجيل فيديو وصيّته الأخيرة بتوريث زوجته ممتلكاته بعد موته كي لا يسطو عليها أخوته عبر حقّهم القانوني. هكذا تتابع الأحداث من دون استطاعتنا كمشاهدين أن نلمس بوضوح الخيط الرفيع الفاصل بين الواقع والخيال. في تلك المساحة الضيقة بين الواقع والخيال في السينما، اختار بناهي أن يعيد رسم صورة مدينته وصورة أهلها.
من بين الركاب، نتعرف أيضاً إلى قريبة بناهي الصغيرة (هناء سعيدي) التي يقلّها من أمام باب مدرستها، وتتابع معه الرحلة حتى نهاية الفيلم. في السيارة، تسأل الطفلة عمّها عن كيفية صنع الأفلام ضمن المحظورات التي تفرضها وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، معبّرة عن سخطها لأن عليها تصوير فيلم قصير للمدرسة من دون أن تجد إلى ذلك سبيلاً. على لسان تلك الطفلة ذات الأداء المبهر، ينتقد بناهي بحنكة عبثية المحظورات السينمائية في إيران، وهكذا تفعل شخصيات الفيلم متناولة ومنتقدة أصغر وأكبر التفاصيل السياسية والدينية والاجتماعية في إيران.
لكن المشهد الأجمل يبقى برفقة «السيدة التي تحمل الورود». خلال رحلة الفيلم، تتنبه الطفلة إلى سيدة بجانب الشارع، فتستوقف عمها منادية: أليست هذه «السيدة التي تحمل الورود» التي كانت تزورك دائماً؟ تصعد تلك السيدة مع ورودها إلى سيارة الأجرة، لتحتل المقعد الأمامي إلى جانب بناهي، فيما تتوسط الطفلة الصغيرة المقعد الخلفي. إنها ناشطة ومحامية، تدافع عن المعتقلين السياسيين في إيران، وتحمل دائماً لهم ولأهلهم الورود للتخفيف من آلامهم. عرفها بناهي خلال فترة اعتقاله. أما اليوم، فهي تهتم بقضايا أخرى. في التاكسي، تخبر بناهي عن قصص المعتقلين الذين ترافع اليوم. لكن أجمل ما في تلك المرأة والمشهد، هي تلك الابتسامة التي لا تفارق شفتيها، وإصرارها على الأمل، رغم كل شيء. إنّها السيدة التي تحمل الورود. إنها طهران الجميلة. صورة أبلغ من الشعر، أرادها بناهي في «تاكسي» توكيداً على الأمل، وإصراراً على حبّه لمدينته رغم الظلم الذي يعيشه اليوم. في النهاية، يركن بناهي سيارته ويترجل مع الطفلة للمرة الوحيدة في الفيلم، ويسيران بعيداً عن التاكسي. حينها، يهجم شابان على السيارة، يخلعان الباب، ويكسران الكاميرا داخلها. ينتهي الفيلم على مشهد اختفاء الصورة، وغياب الـ Credits، لعمل من غير المسموح تصويره في إيران اليوم.
لم يستطع بناهي الوصول إلى برلين لتسلّم الجائزة أول من أمس. تسلمتها الطفلة هناء سعيدي عنه. في رسالة سابقة للمهرجان، قال بناهي: «إنني مخرج سينمائي، لا أعرف سوى صناعة الأفلام ولا شيء يمكنه أن يمنعني عن ذلك». لطالما عرف السينمائيون الإيرانيون كيف يتحايلون على المحظورات والمعوقات التي تفرضها الدولة الإسلامية في إيران، وبخلقهم وذكائهم قدّموا روائع سينمائية. اليوم يضاف «تاكسي» إلى تلك الأفلام. شريط يتحدى لوجيستياً المعوقات والمحظورات. أما سينمائياً، فيتحدى أسلوب السرد في الأفلام الروائية. إنه انتصار لبناهي، وأملاً لنا أيضاً بإيران أجمل يوماً ما.







رفيق مجذوب | بورتريهات القلق

دعونا رفيق مجذوب (1971) في معرضه Rain on me إلى ذاته. لا شيء سوى بورتريهات ذاتيّة. بورتريهات تختزن الكثير من الصدق. في معرضه الذي تحتضنه غاليري Art on 56th (الجميزة) حتى 31 كانون الثاني (يناير)، نرى بورتريهات بالأكريليك والباستيل على كانفاس، وأخرى على صناديق خشبية، إلى جانب فيلم وثائقيّ عن الفنان من إخراج آن ميغالا. في الفيلم الوثائقي، يسرد لنا رفيق رحلته، بدءاً بطفولة أمضاها بين عمّان ودمشق وبيروت وسط عائلة محاطة بالفنانين، ثم وصوله إلى بيروت أوائل التسعينيات حيث بدأ باحتراف الرسم بتشجيع من كريستين طعمة، ليقدّم أول معرض له في ما بات يعرف اليوم بـ«زيكو هاوس».
في معرضه الأول، بدت لوحات مجذوب ملوّنة ومسالمة، وفرحة، بعيدة عن تلك التي نعرفها اليوم. أسلوب تخلّى عنه سريعاً، متأثراً بعنف المدينة المدمرة بعد حرب أهليّة طويلة، باحثاً عن أسلوب رسم باطنيّ يخاطب فيه ذاته قبل أن يخاطب به الجمهور. هكذا بدأت تتساقط الغربان السوداء في لوحات مجذوب، وعاد ذلك البرغي الذي عرفه مثبّتاً عظام رجله إثر حادث في طفولته. برغي حفر في جسده عنفاً أعاد رسمه بعنف مواز في لوحاته. تلاشى فرح الألوان، واحتل الأسود المكانة الكبرى، ولم تعد تظهر سوى الألوان الصارخة. يقول مجذوب في الفيلم «غرق بعض أصدقائي البيروتيين في علاقات ومنهم من تزوّج، أما أنا فكنت في علاقة مع الويسكي». 
خلال سنوات طويلة، لم يفارق مجذوب الويسكي الذي بدأ يشربه من القنينة لأنه لم يعد يحتمل رائحة الكحول عند شربه من الكوب، إلى أن قرر أن يدخل مستشفى خاصاً للتخلص من الإدمان. هناك رسم يومياً وأصدر كتابSober Days عام 2012، ومن ثم كتاباً آخر Drinking From a Broken Glass. أمّا معرضه الأخير في بيروت فكان في «غاليري أجيال» عام ٢٠٠٩. بعد ستّ سنوات، تعود بورتريهاته الذاتيّة اليوم لتعلّق على حائط الغاليري كمرايا لذات محكومة بالقلق. رأس نحيل ذو عينين كبيرتين، وخطوط وجه تتساقط رافضة أن تستقر في السكينة. صاعقة بورتريهات رفيق مجذوب، صاعقة بالصدق الذي تحتويه، وبقدرتها على مخاطبة ناظرها، وعكس قلق راسمها. الوجوه تحيط بك من كلّ مكان. وجوه لا يمكن أسر حالتها في شعور محدد، بل تحكمها تعقيدات المشاعر. ورغم التباعد الكلي بين أسلوبَي الرسم، تشعر كأنك حاضر أمام رهبة البورتريهات الذاتيّة لفان غوغ ذات الأذن المبتورة. لكن الرهبة هنا تتولد من بتر غير مرئي، بتر أقسى وأعنف من ذلك الجسدي. رفيق مجذوب ما زال مصراً على إقلاق راحتنا في مدينة تدّعي السكينة. عبر بورتريهاته الساكنة على الحائط وعيونها الجاحظة، يدعو الأرق إلى جفوننا لتبقى لحظة مواجهة الفنان في لوحاته لحظة صدق يندر أن نجدها في الأعمال الفنيّة، فلا تترددوا في زيارة المعرض.
Rain on me لرفيق مجذوب: حتى ٣١ كانون الثاني (يناير) ــــArt on 56th Gallery (الجميزة ــ بيروت). للاستعلام: ٥٧٠٣٣١/01

سمير خداج: الفعل الدرامي بالأبعاد الثلاثة


العام الماضي، أخذنا في رحلة شعرية تشبه الفضاء المهجور الذي قدّم فيه عمله أي مبنى «مسرح المدينة» القديم في كليمنصو. أما اليوم، فيختلف السياق وبالتالي الطرح. يدخلنا الفنان اللبناني خداج إلى فضاء «دوار الشمس» النابض بالعروض والحياة، فكان لا بدّ من التفاعل معه بطريقة مختلفة. هذا ما نشاهده في «صورة ذاتيّة مع الكلارينيت والشاهدان الصامتان».

ضمن فضاء «دوار الشمس»، يقدّم سمير خداج عرضاً متعدد الأبعاد بعنوان «صورة ذاتية مع الكلارينيت والشاهدان الصامتان». خلال العام الماضي، دعانا خدّاج إلى رحلة في مبنى «مسرح المدينة» القديم في كليمنصو. ذلك المسرح الذي شهدت خشبته عدداً كبيراً من العروض المهمة التي عرفتها بيروت، كان قد تحوّل إلى ما يشبه الخربة بعد هجره. حينها، قرر خدّاج أن يعيد اقتحامه بتجهيز ضخم يضمّ عدداً كبيراً من الفيديوهات الموزعة في أرجاء هذا الفضاء المسرحي من المدخل إلى الأدراج وخفايا الغرف التي كانت مغلقة، إلى قاعة المسرح الخالية من المقاعد والخشبة.
يومها، جلنا في رحلة شعرية كمَن يغوص في فضاء مهجور تنبت من زواياه صور وفيديوهات قررت أن تسكنه، فتعطيه حياةً جديدة رسمها وولّفها الفنان سمير خدّاج. أمّا اليوم، فيختلف السياق، ويختلف معه الطرح. يدخل خداج إلى مسرح نابض، وفضاء ما زالت خشبته تقدّم العروض، فكان لا بد من التفاعل مع ذلك الفضاء الحي بطريقة مختلفة، كما عوّدنا دوماً في أعماله، وهكذا فعل. يرتكز العرض إلى فضاء الركح، ويتوجّه إلى الجمهور الجالس في مقاعد المسرح، بعكس عمله السابق في «مسرح المدينة» المهجور حيث كان الجمهور يتنقل سيراً بين الأعمال. تلك العلاقة بين العمل المعروض على الخشبة والجمهور المتلقي، أثارت لدى خداج طرحاً مختلفاً. هكذا نصب في فضاء المسرح شاشات تحتّل أبعاداً متباينة على الخشبة، وفي المقدمة شاشة شفافة كبيرة. على تلك الشاشات، ألقى بصوره وفيديوهاته من مصدرين للصورة يلتقيان وسط المسرح، فيشكلان صوراً ذات أبعاد ثلاثية. أعاد خداج عكس التقنيّة الكلاسيكية في إنتاج الصورة الثلاثية الأبعاد.
بدلاً من التقاط الصورة بعدستين، أنتج فيديو مؤلفاً من مصدرين للصورة. عبر تعدّد الشاشات واعتماد شاشة شفافة في المقدمة، استطاع أن يخلق بعداً ثالثاً للصورة. ظهرت بعض تفاصيل الصورة كما لو أنّها تتطاير في فضاء المسرح. أهميّة مقاربة خداج للصورة في عمله الجديد تكمن في رغبته بمخاطبة الفضاء الذي يعرض فيه. على تلك الخشبة، يقدّم الممثلون عادة بأجسادهم أفعالاً دراميّة، أفعالاً ثلاثيّة الأبعاد، فكان لا بدّ لخداج أن يحاكي ذلك الفعل عبر تخطي حصر الصورة أو اللوحة بأبعادها الثنائية، وتحويلها إلى أجسام تحتّل بعداً ثالثاً في فضاء المسرح.
هكذا أعطى لوحاته وصوره حضوراً مختلفاً فوق الخشبة، حضوراً ملأ الفضاء. لم يكتف بذلك، بل كان من وقت إلى آخر يدخل بجسده إلى الخشبة، ليصبح جزءاً من عالم صورته ثم يختفي وراء شاشاته. مثير سمير خداج في مقاربته لأعماله الفنية حتى اليوم، هو الذي يقول عنه المخرج روجيه عساف «تتجلى دينامية الفنان الذي يرفض أن يكتفي بعرض لوحاته في مكان لا تنتمي إليه، بل يقرر أن يحتل المكان، أن يغويه، وأن يدخله في عالم صوره (...) الفنان لا يعرض لوحاته، بل يقوم بإخراج مشهد تشكيلي». تلك الخصائص التي يتميّز بها خداج (١٩٣٩) ترجمها منذ معرضه الأول في «الكارلتون» عام ١٩٨٩، مروراً بمرحلة انتقاله إلى باريس عام ١٩٩٠، وصولاً إلى اليوم.
فنان متجدد يسائل في كل عمل له الشكل والمضمون والسياق الذي يعرض فيه. هكذا يعيد طرح الفعل الدرامي على الخشبة بين سطوة شاشات الفيديو على المسارح واحتلال الأبعاد الثلاثيّة لشاشات السينما من دون أن يقضي على جسد وفعل الممثل على الخشبة.
إلا أنّ سؤالاً وحيداً يبقى ملحاً في «صورة ذاتيّة مع الكلارينيت والشاهدان الصامتان» ويتعلّق بمضمون العرض. خَلق الفعل على المسرح بتقنياته المتعددة وتلقيه من قبل الجمهور يحصلان في الدقائق الأولى فيما طوال العرض، تتوالى فيديوهات وصور تبقى غير قابلة لبناء حوار مع المتلقي، بل تنحصر في المفهوم الجمالي للشكل المطروح. علماً أنه كما يدّل العنوان، فجميع تلك المواد تصبّ في صورة الفنان الذاتية، وإن كان على الخشبة فعلاً شاهدان صامتان. إلا أن الجمهور أيضاً تحوّل شاهداً صامتاً وعاجزاً عن التفاعل مع المواد المقدّمة، ربما لأنّ هذه المواد بقيت ذاتيّة جداً في لغتها وتفاعلها في ما بينها، ما شكّل حاجزاً أمام تواصلها مع المتلقي.
«صورة ذاتيّة مع الكلارينيت والشاهدان الصامتان: عرض متعدد الأبعاد» ـــ من 23 حتى 31 كانون الثاني (يناير) 20:30 مساءً ــ «دوار الشمس» (الطيونة ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/381290

كسر الصورة النمطية عن المرأة اللبنانية


يندرج فيلم «يلا عقبالكن» (كتابة نيبال عرقجي، وإخراج إيلي خليفة) ضمن ما يعرف بالسينما التجارية «الخفيفة»، ويميل أكثر إلى المقاربة التلفزيونيّة منه إلى فيلم ذي طرح سينمائي بكل العناصر المؤلفة له، حتى التجارية منها. قررت كاتبة العمل ومنتجته نيبال عرقجي التي تجسّد أيضاً شخصية «لايان» في العمل أن تتناول قصة أربع نساء في محور رئيس: العلاقات مع الجنس الآخر. منذ بداية الفيلم، نحن أمام تركيبة من أربع نساء: ندى أبو فرحات، مروى خليل، دارين حمزة، ونيبال عرقجي. لكل منهن قصّتها الشخصيّة مع الرجال وتعقيداتها، في محاولة لتقديم عيّنة عن أربع نساء عازبات من المجتمع اللبناني، واختلاف نظرتهن إلى العلاقات ومفهوم الزواج والرجل.
في البداية، يبدو الأمر مثيراً للاهتمام، إذ يقارب شخصيات من الحياة الحقيقية التي غالباً ما نجد صورة مزيفة لها على الشاشة الكبيرة ولا تشبه كثيراً أرض الواقع. النساء الأربع هنا يتكلمّن في ما بينهن عن علاقاتهن، عن تجاربهن الجنسيّة، عن طول القضيب عند الرجال الذين مارسوا الجنس معهم ليلة أمس. في حوار بين تالين (ندى أبو فرحات)، وياسمينا (دارين حمزة)، تسأل الأخيرة تالين إن كانت ترضى بممارسة الجنس مع رجل مقابل مليون دولار أميركي. لا تتردد تالين في الإجابة: «عم نام معن ببلاش، مستكترة عليّ مليون دولار!». ثم لا تتردد ياسمينا في طرح السؤال على والدتها (جوليا قصّار) السيدة المحافظة، تنهرها والدتها وتنهر أخاها الذي لا يجد أيضاً ضرراً في مضاجعة صاحب المليون دولار. وحين تصبح وحدها، نرى الوالدة تعيد التفكير في الموضوع وتشعر بالميل لقبوله قبل أن تعود إلى «رشدها». من الضروري أن نرى على شاشة السينما اللبنانيّة شخصيات تشبه مجتمعنا، تشبه سكان بيروت التي يتناولها الفيلم. إنّهن لسن جميعهن عذراوات في انتظار الزواج لممارسة الجنس، والحمد لله! حتى إنهن يشتمن كما تشتم أيّ فتاة لبنانيّة عندما تغضب. هكذا في بداية الفيلم، نتلمس تلك النزعة التحرريّة لدى المرأة العزباء ضمن المجتمع الذكوري الشرقي. لكن للأسف، لا يلبث السيناريو أن يقود شخصيات الفيلم إلى الحبكة الكلاسيكيّة لأفلام «الرومنتيك كوميدي». ولن نغوص هنا في كيفية انتهاء جميع المشاكل إلى جميع الحلول المتوقّعة كي لا نفسد عليكم «حدوتة» الفيلم. لكن ليت عرقجي اختارت تحدي النهايات النمطية كما تحدّت بعضاً من الصورة النمطيّة للمرأة في السينما اللبنانيّة. ورغم المجهود المبذول في إضفاء عفويّة ضرورية، إلا أنّ بعض التكلّف الذي نقع عليه في الحوارات السينمائية والمسلسلات اللبنانيّة، بقيَ مسيطراً على جزء كبير من حوارات الشريط. علماً أن التجربة السابقة لنيبال عرقجي في كتابة فيلم «قصّة ثواني» (2012) كانت أكثر متانةً ضمن صيغة الأفلام الدراميّة التجاريّة، إذا وضعنا جانباً استعارة تركيبة القصص المعزولة التي تلتقي في إحدى لحظات الفيلم. في نهاية الأمر، من الظلم نقد أفلام مماثلة عبر معايير سينمائيّة، لكن لا بدّ أيضاً للسينما التجاريّة من بذل مجهود أكبر لتقديم نتاج حذق في تسلية ذكية للجمهور الواسع كما «للسينيفيليين»، فهم أيضاً يذهبون إلى السينما للتسلية. وكما لسينما المؤلف جودتها، كذلك لتلك التجاريّة.

ميليا مارون: تصاميم «معاصرة»


في «مركز بيروت للفن»، يقدَّم «الآن/هنا» للمصممة اللبنانية المعروفة. تجهيزان يحاكيان مفاهيم شغلت الفن المعاصر في التسعينيات مع وليد صادق وصولاً إلى جيل اليوم، مثل الحضور والتحول والغياب.
اعتاد «مركز بيروت للفن» على دعوة مصممين لتقديم أعمالهم في موازاة المعارض الفنيّة ضمن سلسلة معارض BAC Design. وفي موازاة «عتبات ٢٠١٤»، يقدّم المركز اليوم مصممة الأزياء اللبنانيّة ميليا م (مارون) في معرض «الآن/ هنا».
درست ميليا مارون تصميم الأزياء في مدرسة «إس مود» العريقة في عالم الأزياء في باريس، وعادت إلى بيروت حيث عملت في تصميم اللانجري قبل إطلاق علامتها «ميليا إم» عام ٢٠٠٠. بعدها، افتتحت متجرها في «صيفي فيلاج» (٢٠٠٤)، وأخيراً متجراً جديداً في لندن. منذ إطلاق علامتها، اختارت ميليا مباشرة دخول عالم Prêt à Porter (الثياب الجاهزة) وتصميم أزياء في متناول فئة كبيرة من المجتمع بدلاً من الخوض في عالم الـ Haute Couture، الموجهة إلى طبقة اجتماعيّة محددة جداً. أمّا ما يميّز ميليا حتى اليوم، فهي أنّها من الأسماء النسائية اللبنانيّة القليلة (إلى جانب ريم عكرا) التي تعمل في عالم تصميم الأزياء، عالم يسيطر عليه مصممون رجال.
أما في معرضها في «مركز بيروت للفن»، فقد اختارت أن تنطلق من مقولة الفيلسوف هرقليطس «كلّ شيء في سيلان دائم، لا شيء يبقى جامداً» لتقديم تجهيزين. الأول الذي يحمل عنوان Panta Rei يتألّف من ٩٦ قميصاً منقّطة بألوان عديدة، ومصفوفة جنباً إلى جنب لتؤلف معاً ــ وعبر النقاط الموزعة على كل قميص بتصميم مختلف ــ كلمة Nowhere (هنا الآن) من جهة، وكلمة Everywhere (أينما كان) من الجهة الأخرى. تلك القمصان معروضة للبيع. وكلما أقدم زائر على شراء قميص انتزعه من اللوحة العامّة، تُفكَّك اللوحة شيئاً فشيئاً، فتستحيل قراءة الكلمة، وتتحول من «هنا الآن» إلى «أينما كان». في التجهيز الثاني Common Thread، وضعت مارون عدداً من رقع القماش تؤلّف فستاناً على جسد مانيكان. وبالقرب من المانيكان، تقف سيدّة تعيد نسج شالات من الخيطان بعد أن تكرّها من رقع قماش الفستان. هكذا تختفي تلك الرقع، ويختفي معها الفستان، لتتألف الشالات بطريقة جديدة.
ما يميّز معرض «الآن/هنا» أنّ مارون بذلت مجهوداً لتحاكي عالم الفنون المعاصرة. في معظم الأحيان، كنا نشهد سابقاً معارض في BAC Design لا تتخطى عرض التصاميم أكانت الأزياء، أم المجوهرات أم الأثاث، لا بل كان بإمكان تقديمها في أيّ صالة عرض تجاريّة. إلا أنّه بالتجهيزين المقدمين في المعرض، تحاكي ميليا مارون مفاهيم مثل الحضور والتحول والغياب. ولا يغيب على أيّ متتبع للفنون المعاصرة، خصوصاً في لبنان أنّ تلك المفاهيم شغلت عدداً كبيراً من الفنانين اللبنانيين، أكان من الجيل الذي انطلق في التسعينيات مثل أعمال وليد صادق حول الغياب أو أعمال الثنائي خليل جريج وجوانا حاجي توما حول الغياب والتحوّل، وصولاً إلى العديد من الأعمال المعاصرة اليوم. كذلك، يندرج «هنا/ الآن» ضمن العنوان الذي اختارته مديرة «مركز بيروت للفنّ» ماري موراسيول لمعرض «عتبات ٢٠١٤» الموازي لمعرض مارون. إذ اختارت عنوان «قيد البنيان» كثيمة عامة للمعرض. عنوان ينطبق بسهولة على معرض «هنا/ الآن».
في النهاية، لا بدّ من الإشارة إلى أنّه في حديث مع «الأخبار» أعلمتنا مديرة المركز الجديدة موراسيول أنّ ميليا مارون سوف تكون آخر ضيف على «مركز بيروت للفنّ» ضمن سلسلة BAC Design، فالإدارة تجد أنه رغم أهميّة المعارض السابقة وما أضافته إلى المركز، إلّا أن الأخير يفضّل التركيز على تقديم المعارض الفنيّة. أمّا معارض التصميم، فبحاجة إلى إدارة وتوجّه مختلف لا نيّة للمركز في اعتماده. 
«هنا/ الآن» لميليا مارون: حتى ٧ شباط (فبراير) ــ «مركز بيروت للفن» (جسر الواطي) ـــ للاستعلام: 01/397018