كريستين طعمة تواصل أشغالها الداخلية


نالت كريستين طعمة أخيراً جائزة Audrey Irmas للتميّز في التنسيق الفني لعام 2015 التي يقدّمها «مركز دراسات التنسيق الفني» في «كلية بارد» الأميركية في نيويورك. إنها المرّة الأولى التي تقدم فيها تلك الجائزة لمنسق فني عربي، بعدما نالها كثر أمثال كاترين دافيد، وأكوي أنويزر. بطبيعة الحال، سعدت طعمة بتلك الجائزة العالمية.
لكن بعيداً عن ذلك، تقرأ في تلك الخطوة اليوم بداية تحوّل في نظرة الغرب واهتمامه بفهم أحداث منطقتنا عبر الأشخاص الفاعلين فيها، بعدما كان، وعبر منطق ما بعد كولونيالي، يموضع ذاته كعراب للفن المعاصر العربي. ذلك التحول في نظرة الغرب إلى المنطقة يبقى ــ بالنسبة إلى طعمة ــ نقطة يجب التوقف عندها، ومحاولة فهم تداعياتها، والبقاء حريصين أيضاً على نقدها. أسست طعمة «أشكال ألوان» في التسعينيات. حينها، كان للجمعيّة مكتب متنقل، ومشاريع كبيرة في صندوق سيارتها الخاصة. اليوم أصبحت «أشكال ألوان» أهم جمعية ثقافية في بيروت، ومن الأهم في العالم العربي، وتتخذ من مركزها في جسر الواطي فضاءً تنطلق منه إلى المدينة والعالم. مع تطور مشاريع «منتدى أشغال داخلية»، و«أشغال فيديو»، والإقامات الفنية وغيرها، أطلقت الجمعية قبل خمس سنوات «برنامج فضاء أشغال داخليّة» الذي جذب بفرادته فنانين لبنانيين وعرباً وأجانب.
بعد ٢٢ سنة، كبرت «أشكال ألوان». لذا، تجد طعمة أن هذا هو الوقت المناسب لرسم علاقة مختلفة لها مع الجمعية. «لن أتركها، لكننا في «أشكال ألوان» نبحث عن مدير يضخ نفساً جديداً فيها، بينما أبحث شخصياً عن رسم علاقة جديدة مع الجمعية، تغنيها عبر مشاريع جديدة أجريها خارج إطارها». قبل ثماني سنوات، بدأت طعمة العمل على تأسيس مجلس أمناء للجمعية، أصبح فاعلاً في تحديد سير عمل الجمعيّة اليوم. 
لاحقاً، سلّمت إدارة «برنامج فضاء أشغال داخلية» إلى أمل عيسى، بعدما كانت قد دعت عدداً من المنسقين الفنيين إلى مشاركتها في «إعداد منتدى أشغال داخلية» الأخير. وقد أطلقت الجمعية أخيراً، نداءً تبحث فيه عن رئيس إداري لـ«أشكال ألوان» ليبدأ العمل في نيسان (أبريل) المقبل، ويتسلم المهمة الإدارية عن كريستين طعمة.
من جهة أخرى، تجد طعمة حاجة ملحة لإعادة مساءلة دور الفن في المجتمع، وعلاقته بالمجتمع المدني. تقول «في التسعينيات، كان لدينا مشروع سياسي لمدينة وبلد خارجين من حرب أهلية. وضمن ذلك المشروع، تأسست «أشكال ألوان». أما مع ما يحدث حولنا حالياً، فعلينا أن نجد أنفسنا جميعاً مسؤولين عن نمو التطرف والرجعيّة في لبنان وسائر البلدان المجاورة. من هنا، جاءت الحاجة الملحّة للخروج من الفقاعة الانعزالية للفن، والعمل مع جمعيات المجتمع المدني للبحث معاً عن حلول ضمن ذلك المخاض». هكذا بدأت طعمة العمل مع جمعية «مرسى ــ مركز الصحة الجنسية» ضمن «منتدى أشغال داخلية»، حيث تخصص، في الخريف المقبل، مساحة في البرنامج للتشبيك بين الفن والجمعيات العاملة مع الفئات المهمشة في المجتمع.

صحيح أن الجائزة كانت مناسبة لإجراء نقاش مع طعمة، إلا أن أيّ متابع أو فاعل في الحياة الثقافيّة في لبنان يدرك تماماً الدور الذي لعبته في تطوير الحياة الثقافيّة في لبنان والمنطقة من دون الحاجة إلى جائزة من نيويورك لإثبات ذلك. غير أن طعمة أثبتت أنها حتى اليوم لا تزال مستعدة لمساءلة مشروعها، والإقدام على خطوات متجددة وجريئة تعيد عبرها تثبيت فعاليته في الحيز الثقافي والاجتماعي والسياسي. جرأة نحتاج إليها لدى المسؤولين في عالم الفن، كما في المجتمع المدني، بما أنه لا أمل يرتجى من مسؤولي الدولة.



غسان سلهب ينظر إلى بيروت من «الوادي»

يتلقّى كارلوس شاهين مساعدة من أشخاص يحاولون إصلاح سيارتهم، بعدما نجا من حادث سير على طريق البقاع. ما اسمه؟ من أين هو آت؟ وإلى أين يذهب؟ لا أحد يعلم ولا حتى هو. فقد ذاكرته بعد الحادث. يساعدهم في إصلاح سيارتهم، فيأخذونه معهم إلى مزرعة مخفيّة في البقاع. كارول عبود، فادي أبي سمرا، منذر بعلبكي، يمنى مروان، عوني قواص، رودريغ سليمان وأحمد غصين يعملون في تلك المزرعة المحمية بالسلاح، وبسريّة لإنتاج المخدرات.
مع نهاية «الوادي»، تستعيد تلك الشخصية ذاكرتها لحظة اقتحام الطائرات سماء البقاع، فتندلع حرب ضخمة في الشرق الأوسط، ويطاول الدمار بيروت. هل أفسدنا عليكم حدوتة الفيلم؟ ربما. لكن الحدوتة لم تكن يوماً العنصر الأهم في أفلام غسان سلهب (1958)، إنما البحث عن تجليات زمن الكارثة وما بعدها في السينما. منذ أن بدأ سلهب صنع أفلامه في التسعينيات، حاول فهم وتصوير ذلك الزمن في بيروت المدمّرة جراء حرب أهليّة، وعلاقته وعلاقة سكانها بها. في السنوات الأولى، كان ثقل الماضي مسيطراً على المدينة. ماضٍ يعود ليقلق راحة من قرر متابعة الحياة كأن شيئاً لم يكن، فكانت «أشباح بيروت» (١٩٩٨). لكن بعد سنوات على محاولة التأقلم مع الحاضر، وجد سلهب المدينة وسكّانها خائفين من النظر إلى الماضي أو التطلع إلى المستقبل، عالقين في «أرض مجهولة» (٢٠٠٢). مَن استطاع متابعة العيش في مدينة اغتُصبت ذاكرتها، تحول إلى مصاص دماء يعيش على «أطلال» (٢٠٠٦) تلك المدينة إلى أن غادر سلهب بيروت. حمل حقيبته وصعد إلى عزلة «الجبل» (٢٠١٠) ومن الجبل توجّه إلى «الوادي» (٢٠١٤). هل فعلاً صنع سلهب أفلاماً خارج بيروت؟ أمّ أنه صنع أفلاماً عن غضبه على شخصياته التي حاولت الهروب من بيروت؟ غضب أشبه بغضب الآلهة الإغريقية على من قرّر تغيير مصيره من البشر. في فيلمه الأول خارج بيروت، هرب فادي أبي سمرا من المدينة إلى «الجبل» بحثاً عن العزلة والصمت. هناك، أراد سلهب أن يستكشف الإنسان خارج سياقه المديني. وضعه في غرفة في فندق بعيد. أقفل باب الغرفة عليه، وأغرقه في الصمت والسواد. وحين قرر فادي أبي سمرا الخروج في رحلته الوحيدة إلى الطبيعة في نهاية الفيلم، اصطدم بالموت، بانتحار المخرج فوق الثلج. عاقبه سلهب وعاقب ذاته بالموت خارج المدينة. في «الوادي»، عاد كارلوس شاهين إلى لبنان كي يلتقط صوراً لبيته الذي احتله السوريون في البقاع، وأصبح اليوم محرراً. عاد ليستعيد جزءاً من ذاكرته. لكن لحظة تطأ قدمه أرض البقاع، سيصاب بحادث يفقده ذاكرته. في وسط سهل البقاع، يقف رجلٌ، ليس شبحاً من «أشباح بيروت»، ولا مصاص دماء من «الأطلال»، وليس في «أرض مجهولة»، وإنما هو الأرض المجهولة، بلا ذاكرة، ولا تاريخ. أبى سلهب أن يمنح بطله التراجيديّ سلام التصالح مع الماضي، فأفقده ذاكرته.


وضعه في وسط سهل البقاع، وبين مجموعة سرية تتخفى في مزرعة معزولة لصنع المخدرات. رغم أنّ لجميع الشخصيات الأخرى حضورها الخاص والمميز في «الوادي»، إلّا أنها بالمعنى التراجيدي، ليست سوى كومبارس، ومصنع مخدراتها ليس سوى ديكور لتراجيديا ذلك الرجل. خلال الفيلم، تتطور علاقة هؤلاء مع الرجل بين التعاطف والخوف والرغبة الجنسية والحقد. وتبقى تلك الشخصية التراجيدية في منأى عن علاقة الآخرين بها، فجلّ ما تبحث عنه هو استعادة ذاكرتها. ذاكرة لن يعيدها سلهب إلى بطله إلّا حين تندلع حرب ضخمة تدمّر الشرق الأوسط ومن ضمنها بيروت. حتى تلك الحرب المدمّرة يوظفها سلهب في معاقبة بطله. ما نفع استعادة الذاكرة في تلك اللحظة إلا لإعادة تكريس دوامة الكارثة التي علقت فيها تلك الشخصيّة التراجيديّة؟ حتى اليوم، لم تغب بيروت عن أفلام سلهب، بل خرج منها ليراها عن بعد ويطرح أسئلة مختلفة ويرسم لها مصيراً يتكرّس فيه زمن الكارثة وما بعده. ويبقى «الوادي» ثاني الثلاثيّة، بعد «الجبل»، فيما يعمل سلهب حالياً على الفيلم الأخير. وبعد تقديم «الوادي» (إنتاج «أبوط») في مهرجانات عدة ونيله جائزة أفضل إخراج في «أبو ظبي»، ها هو يصل إلى بيروت ليُعرض ضمن «أيام بيروت» (14/3) قبل أن يُطرح في الصالات اللبنانية.



يارا بونصّار... بيروت وشم على جسد


تدخل يارا بونصّار من زاوية المسرح الصغير في «مونو». تتوجه نحو الجمهور وفي يدها حقيبة سفر. تقف أمامنا بصمت لفترة، ثم تتوجه إلينا بعفوية، وتخبرنا أنها لا تجيد الغناء ولا الرقص، ولكنها سوف تخبرنا قصّة مدينتها، وقصّة مدن زارتها. في زاوية المسرح الأخرى إلى جانب الجمهور، يجلس باد كونكا مع آلاته ليرافق يارا موسيقيّاً خلال العرض.
في نصّ التعريف عن المسرحية، يقول الثنائي: امرأة تروي قصّة رحيلها المنْسوج حول صدفةٍ دعاها إليها صوتٌ ما. نقطة انطلاقها: مدينتها بيروت. تتعاقب محطات رحلتها في مدن لم تعرفها قبلاً. تجمَع من كل مدينة غرضاً واحداً لتحكي من خلال كل غرض القصة المختبئة وراء كل مدينة. مع كل رحيل، تنكشف طبقة من ماضيها حيث يركدُ ركام ذكرياتها في بيروت. تتحوّل وقائع المدن التي تزورها إلى مرآة لبقايا ذكرياتها قبل رحيلها، وتقودها لاكتشاف هدف رحلتها الحقيقي. تلك هي قصّة عرض «بيت بلدي: حكايات مدن بلا حيطان» الذي كتبته وأخرجته يارا بونصّار.
قدّم الثنائي العرض للمرة الأولى في مدينة بِرن في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بعد إقامة فنيّة لهما في سويسرا. وإن كان العرض قدّم باللغة الإنكليزية، إلا أنّ يارا أعادت لبننة النصّ في مناسبة تقديمه في بيروت، وشاركها إيلي يوسف في التسجيلات الصوتيّة، علماً أنّه أيضاً دراماتورج للعرض. ضمن فضاء المسرح، تنصب يارا عاموداً وتوصل حباله بجدران المسرح الأربعة، لتنشر على تلك الحبال الأغراض التي جلبتها من المدن التي زارتها. لكل غرض حكاية، أو بالأحرى لكل حكاية غرض، يرفع من الحقيبة ويعلّق على تلك الحبال لتتألف رويداً رويداً تلك السينوغرافيا (رينات ونش) البسيطة. لكنها ببساطتها تؤمن وظيفتها الدراميّة، وتحمل ضمن فضاء المسرح قصص المؤديّة/ قصص المدن/ قصص العرض.
من مدينة إلى أخرى، تحملنا معها يارا بو نصّار. تستعين بأغراضها لا لتروي عبرها الحكايا، بل لترسم صوراً فيما تسرد قصصاً عن مدن لا أسماء لها، لتبقى بيروت المدينة الوحيدة المذكورة في العرض. 
ما يميّز الأخير هو الخيارات في توظيف النص إخراجياً، وتوظيف الموسيقى هنا، والسينوغرافيا هناك، ومشهد رقص تستمدّه يارا من حركة المشي، وقلم تكتب به على جسدها كلمات من قصصها، كمن يطبع وشماً من رواية لا يريد أن ينساها... كلها خيارات بسيطة ومتناغمة لم يطغَ فيها عنصر على آخر، بل استطاعت أن تقدّم عرضاً مسرحياً سلسلاً في وصوله إلى الجمهور، وغنيّ بصوره الجماليّة. أمّا يارا بأدائها العفويّ والمتقن، فاستطاعت أن تفرض حميميةً على ذلك السرد المسرحي، وجذب الجمهور إليها على مدى ساعة.
يبقى النص العنصر الأساسي الذي يدفعنا إلى طرح بعض الأسئلة حول أسلوب صياغته وخيار الصور فيه. باستثناء نصوص بعض المشاهد من العرض مثل البداية والنهاية، ومشهد الراديو الصامت، ومشهد انتظار المفقودين في تلك المدينة، غلب على نصّ العرض في الإجمال أزمة إغراقه في صور هائمة ونبرة نوستالجية إلى زمن، وإلى معالم مدينة غير واضحين، مفتقداً بلاغة وتعقيد النصوص المسرحية. طبعاً تلك تجربة شجاعة ليارا بونصار بتأدية وإخراج نص من كتابتها لمدة ساعة، ولا يصبّ النقد هنا في التزمت بالالتزام بالنصوص المسرحية الكلاسيكية. تجربة يارا بو نصّار، خصوصاً أنها تنتمي إلى جيل مسرحي شبابي، تدفعنا إلى التساؤل حول نوع النص المسرحي الذي نبحث عنه اليوم، في لغته، وصوره، وصياغته، لا سيما أنّ «بيت بلدي: حكايات مدن بلا حيطان» يتناول بيروت، وسكانها، والهجرة منها والعودة إليها. أيّ نصّ معاصر نخاطب فيه مدننا اليوم؟ أليست بيروت مشبّعة أدبياً ومسرحياً بالصور الهائمة التي لا قاع لها؟ هل نحن بحاجة إلى مقاربة أكثر فجاجة لواقع المدينة وواقعنا؟ تجربة «بيت بلدي» تقربنا أكثر من ذلك النقاش الذي يصنعه الشباب المسرحيون اللبنانيون. 
* «بيت بلدي: حكايات مدن بلا حيطان»: 20:00 مساء من ٤ حتى ٨ آذار (مارس) ـ «مسرح مونو»، الأشرفية ـ للاستعلام: 01/202422

كيف تتوالد الضاد في زمن النت؟


بدءاً من اليوم، تنظّم «الجمعية اللبنانية للفنون التشكيلية ـ أشكال ألوان» منتدى يناقش تأثير العالم الافتراضي على كلّ من العربية الفصحى واللهجات العامية بمشاركة مجموعة من الأكاديميين والباحثين والصحافيين والفنانين، على أن تتوّج الورشة بكتاب يصدر في الخريف المقبل. 
تحتلّ العربية اليوم المركز الرابع عالمياً ضمن أكثر اللغات استخداماً على الشبكة العنكبوتية بعد الإنكليزية والصينية والإسبانية. قد يبدو الأمر بديهياً إذا ما أحصينا عدد الناطقين بها في البلاد العربية الـ 12، إضافة إلى عوامل أخرى. لكن هذا النمو يعود أيضاً إلى أسباب عدة منها تبلور خيار لدى الناطقين بالعربية بالتفاعل مع الشبكة العنكبوتية عبر لغتهم الأم، بعدما كانت الإنكليزية أو الفرنسية اللغتين المستخدمتين. أثرت الثورات العربية في تزايد الناشطين على مواقع التواصل واستخدامهم العربية بهدف الوصول إلى أوسع شريحة ضمن أوطانهم. كذلك، تنامى أخيراً دور مؤسسات عربية تعنى بإغناء محتوى اللغة العربية على الويب.
وإذا كانت العقود الأخيرة غارقة في التحسر على انخفاض مستوى قراءة الأدب العربي، واتهام الشباب بأنه غير مهتم بلغته وتطويرها، فإن واقع اللغة العربية على الشبكة يشير إلى العكس: الشباب العربي ربما يبحث عن فضاءات أخرى لممارسة جديدة للغته الأم أولها الفضاء الافتراضي. ضمن هذا السياق، تنظّم «الجمعية اللبنانية للفنون التشكيلية - أشكال ألوان» اليوم منتدى «اللغة العربية وشبكات التواصل». يشرف على الحدث اللغوي والمؤرخ اللبناني أحمد بيضون الذي يقدم اليوم ندوة الافتتاح بعنوان «عامّياتٌ يُكْتَب بها وفصحى حواريّة؟ (تأمّلٌ في عربية الفايسبوك)» وتشاركه في الإشراف منال خضر.
المنتدى عبارة عن ورشة عمل تناقش على مدى ثلاثة أيام، تأثير العالم الافتراضي على كلّ من العربية الفصحى واللهجات العامية وعلى العلاقة بينهما. تتوّج الورشة بكتاب يصدر في خريف ٢٠١٥، يضمّ نسخاً مطوّرة لمجموع أوراق الورشة. يعرّف القائمون المنتدى بأنّه مشروع لمحاولة الرد على سؤال يتردد في أوساط المعنيين باللغة العربية: هل باتت لغتنا بالية وآيلة إلى الانحسار في ظل عالم سريع، مع كل التحديات التي تواجهها في العالم الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي؟ المساهمون في المؤتمر ليس جلّهم من الأكاديميين، بل هم أيضاً يمارسون اللغة العربية في حقول مختلفة من الرواية إلى المسرح إلى الكتابة الصحافية.
كما تشتمل ورشة العمل على عرض أدائي للمسرحي اللبناني يحيى جابر بعنوان «هذا حائط ١٩٧٥- ٢٠١٥» عن تطور لغة  الشعارات على حيطان المدينة وصولاً إلى تطورها مع لغة حائط فايسبوك. يرافق العرض موسيقى حية مع طارق بشاشة. أما ختام المنتدى، فيترك لشخصيّة اشتهرت بلقب «مليونيرة الويبة» التي فرضت وجودها على المساحة الافتراضية خلال السنوات الأخيرة من مصر إلى سائر الدول العربية... إنّها أبلة فاهيتا وهي موضوع الندوة الأخيرة التي يقدّمها الباحث الأكاديمي والمترجم للأدب العربي التراثي والحديث فريديريك لاغرنج، تحت عنوان «مقاربة لغوية لدمية وقحة». أكثر من ذلك، ستحضر أبلة فاهيتا خصيصاً إلى بيروت لتقديم عرض حيّ وإقامة أوّل نقاش مباشر لها مع الجمهور. ولهذه المناسبة، اختارت اطلالة خاصة من توقيع مصمّم الأزياء اللبناني كريكور جابوتيان. ليس خيار اختتام الندوة مع أبلة فاهيتا بديهياً، بل إنّه يدلّ على نيّة صريحة من قبل القائمين على المنتدى بتقديم تلك الظاهرة، إلى جانب اللغويين والأكاديميين والأدباء ضمن نقاش يدور حول أثر شبكات التواصل على اللغة العربية. خلال السنوات الأخيرة، استحدثت الأبلة مفردات خاصة ضمن اللغة العربية تتداولها في مشاهدها على يوتيوب وتويتر وفايسبوك. مفردات تبنّاها وتداولها جمهورها الواسع والمتفاعل معها.
ضمن البرنامج أيضاً، تقام ندوات حول «اللغة والعنف في الخطاب الإلكتروني لتنظيم الدولة الإسلامية» مع حسن أبو هنية، و«العامية المصرية: بديلٌ للفصحى أم غيتو لغوي؟» مع منصورة عز الدين، و«في تلاقي وافتراق العربية الفصحى والمحكية اللبنانية: رحلة بين وسائط تقنيّة وفنيّة» مع هلال شومان، و«تراجيديا الكرد واللغة العربية، من سليم بركات حتى الفايسبوك» مع رستم محمود، و«حالات فايسبوكية: المونديال مثالاً- لا مثقف، لا كاتب، لا صحافي: غواية العمومية» مع يوسف بزي.
وبما أنّ المنتدى يتناول أثر شبكات التواصل على العربية، كان لا بدّ من خلق صفحة على فايسبوك وتوتير. الأهمّ أنّه يمكن لكل مهتم بالمنتدى لا يستطيع الوصول إلى بيروت، متابعة جميع فعالياته عبر بث حيّ على موقع المنتدى الإلكتروني والمشاركة في النقاش عبر استخدام هاشتاغ: #اللغة_العربية_اليوم .
منتدى اللغة العربية وشبكات التواصل: من 26 حتى 28 شباط (فبراير) ـــ فضاء «أشكال ألوان» (جسر الواطي - بيروت)ـ


فؤاد الخوري يواصل «مسلسله المصري»

بين الثورة الكامنة في طبيعتها وتاريخها الممتد على طول وادي النيل منذ أولى وأعرق الحضارات، يهدي المصوّر اللبناني أعماله الفوتوغرافيّة إلى شعب سطّر التاريخ بأفعاله. معرضه الحالي في «غاليري تانيت» رحلة بين حكايا الماضي والحاضر، والانتفاضات القديمة وتلك المعاصرة.
ليست مصر مادةً جديدة على صور فؤاد الخوري (1952). نظرة سريعة على أشهر البورتريهات التي التقطها في مسيرته كافية لتبيان حبّ المصوّر اللبناني لمصر وأهلها. الشيخ إمام، أحمد فؤاد نجم، نجيب محفوظ، توفيق الحكيم، يوسف إدريس، صنع الله إبراهيم، شريهان وغيرهم التقطتهم كاميرا الخوري في أجمل البورتريهات. عند دخولك الصالة الأولى والكبرى لمعرضه الحالي «مسلسل مصري» في «غاليري تانيت»، تواجهك على الجدران صور عملاقة لما يمكن تسميته «الأهرامات الطبيعيّة في مصر».
وسط الصالة وعلى عامودين متوازيين، وضع الخوري نصاً على العامود الأول عن حركة تمرّد شهدها العصر الفرعوني في مصر القديمة. وفي مقابله صور التقطها خلال «ثورة ٢٥ يناير» وخلع حسني مبارك في مصر المعاصرة. في النصّ الأول، يستعيد الانتفاضة التي تلت موت الفرعون بيبي الثاني عام ٢١٥٠ قبل الميلاد، حين أقدم حكام المناطق آنذاك على حركة عصيان أدت إلى اكتسابهم استقلالاً ذاتياً يمكنّهم من توريث أبنائهم للسلطة من دون أن يكون للفرعون كلمة في ذلك. تلك كانت أولى الثورات التي خضعت لها القوة العالمية الأولى. 


في مقابلها وفي عام ٢٠١١، نشاهد صوراً صغيرة ملتقطة من إحدى تظاهرات الشعب المصري المعاصر التي أدت إلى تنحي مبارك. أمّا حول الحدثين، وعلى جدران القاعة، فصور عملاقة لطبيعة مصر، تظهر هضبات وتلالاً في الصحراء تتخذ شكل أهرامات نحتتها الطبيعة. هكذا يشير الخوري إلى ذلك الامتداد التاريخي في جبروت شعب مصر المتمرد على السلطة منذ الفراعنة حتى اليوم. ينعكس ذلك حتى في طبيعته، التي هي بدورها راحت تنحت أهراماتها الطبيعيّة كي تسلب الفراعنة ذلك الحق الحصري، وتبقيه امتداداً تاريخياً وطبيعياً حتى اليوم بحقّ الشعب بالتمرد على احتكار السلطة.

أما في الغرفة الثانية للمعرض، فيقدّم الخوري استعادة لمجموعة أقدم التقطها في مصر على طول وادي النيل. خلال عام ١٩٨٩ و١٩٩٠، قام الفنان برحلة أعاد فيها سلوك الطريق ذاته الذي سلكه مكسيم دوكان، وغوستاف فلوبير في مصر عام ١٨٤٩. تلك الرحلة التي تعتبر من أولى مجموعات صور السفر الفوتوغرافية، كانت أيضاً عماداً أساسياً للاستشراق الأوروبي. بعد مرور 150 سنة، يحمل الخوري كاميرته ليمشي على خطى الفرنسيين، ويلتقط مجموعة من الصور على امتداد وادي النيل. صور يقول عنها إنّها «بدأت تدير ظهرها، شيئاً فشيئاً، إلى قصة البداية الاستشراقيّة، وتتحول إلى قصّة خياليّة شخصيّة تستند إلى مصر المعاصرة». تتوزع المجموعة على أربعة أقسام وخاتمة: الضفة الشرقيّة للأحياء (المدن)، الضفة الغربية للأموات (الهياكل)، الغياب (القبور) والتقمّص (كوشوك هانم المرأة المصريّة التي كان فلوبير يحبها).

الصور ملتقطة بالأبيض والأسود، تحملنا معها إلى الآثارات الموزعة على طول النيل. يسيطر على جزء كبير منها طيف امرأة تجول داخل الأهرامات وبين تلك التماثيل الضخمة التي خلفتها الحضارة الفرعونية. ثم ندخل إلى القاهرة، وشوارعها، ومقاهيها وناسها. لا يمكن للكلمات أن تقدم وصفاً محقّاً لتلك السلسلة، فسحرها كامن في التفاصيل الملتقطة في كلّ صورة، وفي وسيلة عرضها صغيرة على امتداد شريط صور يلف القاعة الداخلية في المعرض، فيجول عليها المشاهد كمسافر على خطى فؤاد الخوري على طول وادي النيل. أما لتلك المرأة التي سحرت فلوبير، فيخصص الخوري تصويراً شخصيّاً لامرأة مستلقية على ديوان، تظهر ساقيها وتخفي وجهها وراء مروحة. بين الثورة الكامنة في طبيعة مصر، وتاريخها الممتد على طول وادي النيل منذ أولى وأعرق الحضارات حتى يومنا المعاصر، يهدي فؤاد الخوري في «مسلسل مصريّ» صوره الفوتوغرافيّة إلى شعب سطّر التاريخ بأفعاله ولن يستكين.
* «مسلسل مصري» لفؤاد الخوري: - حتى ٦ آذار (مارس) ــ «غاليري تانيت» (شارع أرمينيا - مار مخايل النهر، بيروت) ـ للاستعلام: 76/557662

جعفر بناهي متوّجاً في برلين : «تاكسي» الأمل في شوارع طهران



فعلها رغم المنع والحظر. وإذا لم يستطع حضور الاحتفال الختامي أول من أمس، فإنّ أحداً لم يقدر على أن يمنعه من صنع الفيلم الذي استحق الجائزة الأولى في الدورة الـ 65 من «مهرجان برلين». رائعة سينمائية تظهر العاصمة الإيرانية كما رآها من سيارته، مع شخصيات يومية توّج نقدها إلى الرقابة والسلطة.

أول من أمس، اختتمت الدورة الـ65 من «مهرجان برلين السينمائي الدولي» متوّجة الإيراني جعفر بناهي (1960) بجائزة «الدب الذهبي» عن فيلمه «تاكسي». لـ«برلين» علاقة مميزة مع بناهي. ضمن المسابقة، قدّم فيلمه «تسلل» لينال عنه «الدب الفضي ـــ جائزة لجنة التحكيم الكبرى» عام ٢٠٠٦، ومن ثم فيلم «ستائر مغلقة» الذي نال عنه «الدب الفضي لأفضل سيناريو» عام ٢٠١٣. كذلك، دعا المهرجان بناهي للحضور كعضو لجنة التحكيم سنة ٢٠١١، إثر صدور حكم سجنه في إيران، ليترك كرسيه فارغاً يومها بين أعضاء اللجنة الآخرين.

غير أن كل من تابع أفلام المسابقة الرسمية في «مهرجان برلين» هذه السنة، كان على يقين أن «الدبّ الذهبي» لن يكون إلا من نصيب «تاكسي». بعيداً عن مواقف التضامن، لا يمكن تجاهل تلك الرائعة التي وصفها مدير اللجنة لهذا العام المخرج دارين أرونوفسكي بـ«رسالة حبّ إلى السينما». 
في ٢٠١٠، صدر بحق بناهي حكم بالسجن في إيران لمدة ست سنوات. منع من السفر وإنتاج الأفلام لـ 20 سنة، بسبب مشاركته في تظاهرات ولـ«عمله الدعائي ضد النظام الإيراني». لكن ذلك الحظر لم يمنعه من مواصلة إنتاج أفلامه. عام ٢٠١١، قدّم «هذا ليس فيلماً»: وثائقي صوّره داخل منزله عبر كاميرات رقمية وبعدسة هاتفه. يومها، هُرِّب الفيلم من إيران على USB داخل قالب حلوى إلى «كان». وفي عام 2013، قدّم «ستائر مغلقة» المصوَّر أيضاً في منزله، ليصل الفيلم بدوره خلسة إلى «مهرجان برلين». لكن هذه المرة، خرج بناهي من خلف ستائر منزله إلى شوارع طهران لتصوير فيلمه عبر كاميرا مخبأة في سيارة تاكسي. كما في فيلم «عشرة» للمعلم الإيراني عباس كياروستامي، تستقبل سيارة الأجرة عدداً من الركاب/ الشخصيات، فيما تجول في شوارع طهران. لكن الفرق الأساسي أنّ سائق التاكسي ليس سوى المخرج نفسه. في تصويره لفيلمه الثالث تحت الحظر، لا يتحدى بناهي النظام الإيراني فحسب، بل يعلن خروجه من منزله إلى شوارع طهران وإعادة استملاك مدينته عبر عدسة كاميرته.

داخل التاكسي، نستقبل مع بناهي شخصيات تتناول كلّ منها موضوعاً اجتماعياً وسياسياً معيناً. في البداية، يصعد سارق، ثم بائع الـ«دي في دي» أوميد المعجب ببناهي المخرج. يصرّ على المضي معه في رحلة طويلة، يقودنا عبرها إلى ذلك الشك المتواصل حول الحدود بين السيناريو المكتوب أو المرتجل. في مرات عدة في الفيلم، وأمام أحداث معينة، يتوجه أوميد إلى بناهي، مؤكداً له أنّه يعلم أن ما حصل الآن ليس سوى سيناريو مركّب، مثل اضطرار بناهي إلى حمل جريح وزوجته إلى المستشفى في سيارته. يصرّ الجريح على تسجيل فيديو وصيّته الأخيرة بتوريث زوجته ممتلكاته بعد موته كي لا يسطو عليها أخوته عبر حقّهم القانوني. هكذا تتابع الأحداث من دون استطاعتنا كمشاهدين أن نلمس بوضوح الخيط الرفيع الفاصل بين الواقع والخيال. في تلك المساحة الضيقة بين الواقع والخيال في السينما، اختار بناهي أن يعيد رسم صورة مدينته وصورة أهلها.
من بين الركاب، نتعرف أيضاً إلى قريبة بناهي الصغيرة (هناء سعيدي) التي يقلّها من أمام باب مدرستها، وتتابع معه الرحلة حتى نهاية الفيلم. في السيارة، تسأل الطفلة عمّها عن كيفية صنع الأفلام ضمن المحظورات التي تفرضها وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، معبّرة عن سخطها لأن عليها تصوير فيلم قصير للمدرسة من دون أن تجد إلى ذلك سبيلاً. على لسان تلك الطفلة ذات الأداء المبهر، ينتقد بناهي بحنكة عبثية المحظورات السينمائية في إيران، وهكذا تفعل شخصيات الفيلم متناولة ومنتقدة أصغر وأكبر التفاصيل السياسية والدينية والاجتماعية في إيران.
لكن المشهد الأجمل يبقى برفقة «السيدة التي تحمل الورود». خلال رحلة الفيلم، تتنبه الطفلة إلى سيدة بجانب الشارع، فتستوقف عمها منادية: أليست هذه «السيدة التي تحمل الورود» التي كانت تزورك دائماً؟ تصعد تلك السيدة مع ورودها إلى سيارة الأجرة، لتحتل المقعد الأمامي إلى جانب بناهي، فيما تتوسط الطفلة الصغيرة المقعد الخلفي. إنها ناشطة ومحامية، تدافع عن المعتقلين السياسيين في إيران، وتحمل دائماً لهم ولأهلهم الورود للتخفيف من آلامهم. عرفها بناهي خلال فترة اعتقاله. أما اليوم، فهي تهتم بقضايا أخرى. في التاكسي، تخبر بناهي عن قصص المعتقلين الذين ترافع اليوم. لكن أجمل ما في تلك المرأة والمشهد، هي تلك الابتسامة التي لا تفارق شفتيها، وإصرارها على الأمل، رغم كل شيء. إنّها السيدة التي تحمل الورود. إنها طهران الجميلة. صورة أبلغ من الشعر، أرادها بناهي في «تاكسي» توكيداً على الأمل، وإصراراً على حبّه لمدينته رغم الظلم الذي يعيشه اليوم. في النهاية، يركن بناهي سيارته ويترجل مع الطفلة للمرة الوحيدة في الفيلم، ويسيران بعيداً عن التاكسي. حينها، يهجم شابان على السيارة، يخلعان الباب، ويكسران الكاميرا داخلها. ينتهي الفيلم على مشهد اختفاء الصورة، وغياب الـ Credits، لعمل من غير المسموح تصويره في إيران اليوم.
لم يستطع بناهي الوصول إلى برلين لتسلّم الجائزة أول من أمس. تسلمتها الطفلة هناء سعيدي عنه. في رسالة سابقة للمهرجان، قال بناهي: «إنني مخرج سينمائي، لا أعرف سوى صناعة الأفلام ولا شيء يمكنه أن يمنعني عن ذلك». لطالما عرف السينمائيون الإيرانيون كيف يتحايلون على المحظورات والمعوقات التي تفرضها الدولة الإسلامية في إيران، وبخلقهم وذكائهم قدّموا روائع سينمائية. اليوم يضاف «تاكسي» إلى تلك الأفلام. شريط يتحدى لوجيستياً المعوقات والمحظورات. أما سينمائياً، فيتحدى أسلوب السرد في الأفلام الروائية. إنه انتصار لبناهي، وأملاً لنا أيضاً بإيران أجمل يوماً ما.







رفيق مجذوب | بورتريهات القلق

دعونا رفيق مجذوب (1971) في معرضه Rain on me إلى ذاته. لا شيء سوى بورتريهات ذاتيّة. بورتريهات تختزن الكثير من الصدق. في معرضه الذي تحتضنه غاليري Art on 56th (الجميزة) حتى 31 كانون الثاني (يناير)، نرى بورتريهات بالأكريليك والباستيل على كانفاس، وأخرى على صناديق خشبية، إلى جانب فيلم وثائقيّ عن الفنان من إخراج آن ميغالا. في الفيلم الوثائقي، يسرد لنا رفيق رحلته، بدءاً بطفولة أمضاها بين عمّان ودمشق وبيروت وسط عائلة محاطة بالفنانين، ثم وصوله إلى بيروت أوائل التسعينيات حيث بدأ باحتراف الرسم بتشجيع من كريستين طعمة، ليقدّم أول معرض له في ما بات يعرف اليوم بـ«زيكو هاوس».
في معرضه الأول، بدت لوحات مجذوب ملوّنة ومسالمة، وفرحة، بعيدة عن تلك التي نعرفها اليوم. أسلوب تخلّى عنه سريعاً، متأثراً بعنف المدينة المدمرة بعد حرب أهليّة طويلة، باحثاً عن أسلوب رسم باطنيّ يخاطب فيه ذاته قبل أن يخاطب به الجمهور. هكذا بدأت تتساقط الغربان السوداء في لوحات مجذوب، وعاد ذلك البرغي الذي عرفه مثبّتاً عظام رجله إثر حادث في طفولته. برغي حفر في جسده عنفاً أعاد رسمه بعنف مواز في لوحاته. تلاشى فرح الألوان، واحتل الأسود المكانة الكبرى، ولم تعد تظهر سوى الألوان الصارخة. يقول مجذوب في الفيلم «غرق بعض أصدقائي البيروتيين في علاقات ومنهم من تزوّج، أما أنا فكنت في علاقة مع الويسكي». 
خلال سنوات طويلة، لم يفارق مجذوب الويسكي الذي بدأ يشربه من القنينة لأنه لم يعد يحتمل رائحة الكحول عند شربه من الكوب، إلى أن قرر أن يدخل مستشفى خاصاً للتخلص من الإدمان. هناك رسم يومياً وأصدر كتابSober Days عام 2012، ومن ثم كتاباً آخر Drinking From a Broken Glass. أمّا معرضه الأخير في بيروت فكان في «غاليري أجيال» عام ٢٠٠٩. بعد ستّ سنوات، تعود بورتريهاته الذاتيّة اليوم لتعلّق على حائط الغاليري كمرايا لذات محكومة بالقلق. رأس نحيل ذو عينين كبيرتين، وخطوط وجه تتساقط رافضة أن تستقر في السكينة. صاعقة بورتريهات رفيق مجذوب، صاعقة بالصدق الذي تحتويه، وبقدرتها على مخاطبة ناظرها، وعكس قلق راسمها. الوجوه تحيط بك من كلّ مكان. وجوه لا يمكن أسر حالتها في شعور محدد، بل تحكمها تعقيدات المشاعر. ورغم التباعد الكلي بين أسلوبَي الرسم، تشعر كأنك حاضر أمام رهبة البورتريهات الذاتيّة لفان غوغ ذات الأذن المبتورة. لكن الرهبة هنا تتولد من بتر غير مرئي، بتر أقسى وأعنف من ذلك الجسدي. رفيق مجذوب ما زال مصراً على إقلاق راحتنا في مدينة تدّعي السكينة. عبر بورتريهاته الساكنة على الحائط وعيونها الجاحظة، يدعو الأرق إلى جفوننا لتبقى لحظة مواجهة الفنان في لوحاته لحظة صدق يندر أن نجدها في الأعمال الفنيّة، فلا تترددوا في زيارة المعرض.
Rain on me لرفيق مجذوب: حتى ٣١ كانون الثاني (يناير) ــــArt on 56th Gallery (الجميزة ــ بيروت). للاستعلام: ٥٧٠٣٣١/01