"يمّا" يحاكي جراح الجزائر بصمت



يَمّا
الجزائر، 2012، ملون، لغة عربية، ساعة و31 د.

المخرجة وكاتبة السيناريو: جميلة صحراوي / المصورة: رافاييل أوبراين / 
الممثلون: جميلة صحراوي (ورديّة)، سمير يحيى (الحارس)، علي ظريف (علي)
الجوائز:
-  جائزة فيبريسكي / مهرجان دبي السينمائي 2012
-  الباير الذهبي لأفضل ممثلة / مهرجان نمور – بلجيكا  2012


رائعة سينمائية، تجعل من قصة عائلة، وثلاثة ممثلين في بيت معزول بريف الجزائر، قصة تمتد على مساحة الإنسانية والوطن. إنه ”يمّا“ الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والممثلة الجزائرية جميلة صحرواي. يُفتتح الفيلم بمشهد إمرأة تدعى وردية (جميلة صحراوي)، تجرُّ خلفها جسد إبنها المقتول. مع صوت نَفَسها المتصاعد، وسط طريق وعرة، نرافقها حتى بيتها، في طريق الألم والحزن. لوحده، يتوسط بيتها منطقة واسعة في ريف الجزائر. هنالك تغسل الأم جسد إبنها، وتحضره للدفن. في أرض خلف الدار تحفر قبراً، وتودعه. كان ضابطاً في الجيش الجزائري، قُتل في معركة مع إحدى الجماعات الإسلامية الجزائرية التي يقودها إبنها الثاني ”علي“ (علي ظريف). تلك هي حبكة الفيلم الأساسية: أمٌّ تدفن إبنها المقتول على يد إبنها الثاني. حبكة تعيدنا إلى التراجيديا الإغريقية، حيث تتصارع المشاعر، ويصعب تحديد المواقف الواضحة ما بين الشخصيات. حيث تجد الشخصيات مجبرة على التعايش مع وجعها القريب منها، والذي هو جزء منها. أوديب يقتل أباه، ويتزوج أمه. ميديا تقتل أولادها انتقاماً من رجلها. وردية تدفن إبنها البكر، وتتهم إبنها الآخر بقتله، ولكنه في نهاية الأمر الذي تبقّى لها. أمّا الإبن فيحاول أن لا يخسر أمَّه، ولكنه يصطدم معها بالذنب والعقائد الدينية والحرب.

في تلك المنطقة المعزولة، يضع علي حارساً (سمير يحيى) على والدته. شاب من فصيلته، فقد ذراعه خلال المعارك. علاقة متشنجة سوف تنمو ما بين ورديّة والشاب في البداية، لكنها سوف تتلطف مع مرور الوقت. بعناد، وجهد كبير، سوف تقوم وردية بمحاولة زرع أرضها الجافة، لإعادة شكل من أشكال الحياة إلى محيطها وإلى حياتها. في أحد الأيام وبعد صدامات متتالية مع الحارس، سوف تجد المياه تتدفق إلى حقلها إثر مدّها عبر مولد كهربائي، جلبه الشاب الحارس لا غير، لمساعدتها. لحظة سوف تكرس بداية علاقة جديدة بين الثنائي. تدعو ورديّة الحارس لدخول  البيت، شرط أن يترك بندقيته خارجاً، فتشاركه العشاء، وتحضر له غرفة لينام فيها، إذ كان يبيت في الحظيرة قبل ذلك. هكذا سوف تجد وردية في هذا الحارس إبناً جديداً. لكن علاقتها بعلي سوف تتدهور أكثر كلما التقيا، خاصة بعد أن تزوج إمرأة إبنها البكر، وتوفيت وهي تضع ولداً، لتتهمّه بقتلها هي أيضاً بعدما قتل أخاه. لكن رغم ذلك، سوف تقبل الاعتناء بحفيدها وتربيته. طفل يخلِّد ذكرى إبنها البكر، ويعيد لها الأمل والإيمان بالحياة. تمر الأيام، وتنمو العلاقة بين وردية والحارس مع نموّ الولد، إلى اليوم الذي يصل فيه علي ليلاً إلى المنزل، مصاباً برجله. هنا تتجلى في فيلم ”يمّا“ أجمل لحظاته. صراع الأم ما بين قسوتها على إبنها، وحنانها عليه. تلعب جميلة صحراوي دوراً رائعاً في تظهير صراع المشاعر تلك عبر تعابير وجهها، ونظراتها، وحركة جسدها الذي أثقلته الأحزان. هكذا نتابع أحداث الفيلم ما بين لحظة مرونة، تتبعها القسوة، وفورة الإبن وألمه النفسي والجسدي. علاقة لن يبقى الحارس خارجها، بل سوف يصبح جزءاً من تجاذب أطراف العائلة، ما بين الأم والإبن، إلى أن يضطر إلى اتخاذ موقف حاد منهياً تلك المأساة.   جميع تلك الأحداث، وعبر ثلاثة ممثلين، اختارت جميلة صحراوي أن تقدم رائعة سينمائية غارقة في الصمت، مع القليل القليل من الحوارات المترجمة بكلمات. لا بل تركت شخصيات فيلمها تعيش مأساتها في الصمت، في قلة التواصل مع الآخر. حتى التواصل اختصرته بنظرة، أو حركة جسد أبلغ من الكثير من الكلمات. قد تكون كلمة ”يمّا“ التي اتخذتها عنواناً أكثر كلمة مسموعة في الفيلم. إنها اللحظة التي يصرخ فيها علي مراراً، متألماً وبردان على عتبة البيت ليلاً: يمّا. صرخة يطلب عبرها مساعدة أمّه، ورحمتها، وغفرانها لعلها تخفف عليه وجع الجسد والروح. أما باقي الفيلم فيلقي بالإنسان وحيداً وضعيفاً في وسط الطبيعة الواسعة الجبارة. مفردات وجدت لها جميلة لغة سينمائية ترجمتها في حركة الكاميرا البطيئة، واللقطات الطويلة النفس. نجحت جميلة صحراوي في فيلمها ”يمّا“ في أن تعكس آلام الجزائر عبر آلام وصراع عائلة، بأفرادها الثلاثة. أرادت أن لا تقول الكثير، ولكن ”يمّا“ فيلم يشعرنا بالكثير.  

نشر في رصيف ٢٢     

جميلة صحراوي من مواليد 1950 في تزمالت، الجزائر. انتقلت إلى العيش في باريس منذ عام 1975، حيث درست في ”المعهد العالي للدراسات السينمائية“ وباشرت في صناعة الأفلام الوثائقية. في عام 2006 قدمت ”بركات“ أول فيلم روائي طويل لها، الذي شارك في مهرجانات سينمائية دولية عدة، ونالت عنه جائزة المهر العربي في مهرجان دبي السينمائي. أما إنتاجها الجديد ”يمّا“ فقدم في مهرجان البندقية السينمائي.






شيرين وعلي يبحثان عن جسد للحبّ





في فضاء «جانين ربيز»، التقى علي شري وشيرين أبو شقرا في تجربة فريدة حملت عنوان «جسد ما للحب» (Some Body To Love). والنتيجة زمانان محفوفان بالرومانسية والنوستالجيا.

لم تكن مواضيع الجسد والصورة والهوية يوماً بعيدة عن أعمال الفنانين شيرين أبو شقرا وعلي شرّي. وها هما يلتقيان اليوم في معرض مشترك ليبحثا عن «جسد ما للحب» (Some Body To Love) في «غاليري جانين ربيز». في المعرض، انفرد كل منهما بتصميم تجهيز فني لجسد هجين. انطلاقاً من هذا التجهيز، طوّر كل منهما خمس لوحات. درست شيرين أبو شقرا التاريخ والعلوم السياسية في «جامعة القديس يوسف» في بيروت، قبل أن تكمل دراستها في «استوديو فيرنوا للفن المعاصر» في فرنسا. أخرجت أفلاماً قصيرة عديدة منها «مسافة السكة» (٢٠٠٩) وتعمل حالياً على فيلمها التحريكي الطويل الأول «حتى الحمار يندم». أما علي شرّي، فقد درس فنون العرض في جامعة «داس آرت» في هولندا، ويشتغل بوسائط فنية عديدة، منها الفيديو، والتجهيز والمنحوتات. ومن أعماله الأخيرة معرضه «صور رديئة رديئة». استعملت أبو شقرا أغراضاً جمعتها من بقاع مختلفة من العالم: لبنان، سوريا، مصر، إيطاليا، اليابان... لتؤلّف منها مجسماً لشخصية ثابتة في فضاء المعرض، لا يتحرك فيها سوى العينين، وطابة زهرية صغيرة في موضع الفم.

من هيكل «مانيكان» ومعادن وخشب وثياب وأغراض عديدة، يتشكل الجسد الهجين الذي تقترحه شيرين أبو شقرا، جامعاً الهويات الثقافية المتعددة لأغراضه التي تحوّلت إلى أعضائه. الجسد موصول عبر سلك حديدي بعلبة مفتوحة إلى جانبه. في داخل العلبة قطن وأسلاك ملكوكة كمصارين المعدة. يهيأ لنا أنّ تلك العلبة بإمكانها أن تتحول إلى بيت الشخصية المتصلة بها، فتحتويها وتحملها لتنتقل بها من مكان إلى آخر، مضيفة أبعاداً جديدة إلى التركيبة الهجينة للشخصية. في المقابل، جهّز علي شرّي شخصيته من مجسم مؤلف من معدن وشاشات وشرائط كهربائية. ثبتّ شرّي شاشات مكان الرأس، الصدر، أسفل اليدين والقدمين، وواحدة أخيرة في الظهر تعرض الصورة الملتقطة من كاميرا ثبتت في عنق المجسم.
على تلك الشاشة الخلفية، يمكننا رؤية ما تشاهده تلك الشخصية أمامها، حيث تظهر الشخصية الأخرى لأبو شقرا، وزوار المعرض المارين من أمامها. أما على الشاشات الأخرى، فتتوزع فيديوهات تظهر دواخل الجسد البشري عبر صور الاشعة السينية وتقنيات أخرى. على الحائط، لوحات خمس صنعتها شيرين أبو شقرا عبر كولاج من صور التقطها علي شرّي لمجسمها مع صور أخرى لأماكن حول العالم وخرائط ولوحات ورقية، طبعتها على أوراق خشبية. ويعرض علي شري صوراً فوتوغرافية يستند فيها إلى صور لأعضاء جسدية ملتقطة عبر الأشعة السينية.

يتمحور المعرض حول تلك التركيبة الهجينة التي تجمع مواد مختلفة من قماش إلى أسلاك إلى شاشات لتخلق عالماً ثالثاً خارج الشخصيتين المطروحتين في المعرض. مثلما اجتمع الفنانان بحثاً عن جسد ما للحب، تبحث هاتان الشخصيتان عن تجسيد ثالث خارجهما. وربما وجد الفنانان ذلك التجسيد في الصورة كوسيط فني أمّن فضاءً ومادة مختلفة يتجلّى فيه تمازج الشخصيتين. شخصية أبو شقرا تصبح مادة الصورة التي تنتجها شخصية شرّي، لكن الرومانسية المسيطرة على المعرض تقف عائقاً أمام تطور طروحاته، فتغرقه في ثقل مراجعه الثقافية الهجينة. تجهيز ولوحات شيرين أبو شقرا يوحيان بنفحة باروكية ممزوجة بالبوهيمية، بزركشتها وفوضويتها وحلمها. أما علي شري، فيعيدنا بشاشات موزعة في كل مكان وأسلاك كهربائية ضمن شبكات عنكبوتية، ونوعية صورة بالاشعة السينية، إلى الانبهار الطفولي الأول بعالم التكنولوجيا. الزمانان محفوفان بالرومانسية والنوستالجيا إلى زمن يتوق إلى خلق حالة من الحلم أو الخيال، يبحث خارج الملموس عن ملجأ للحب. رغم أن البحث عن جسد ما للحب وسط جميع تلك المواد العضوية والإلكترونية هو أمر مشوّق، ورغم أن الأغراض التي أنتجها البحث تتمتع بجمالية حالمة، إلا أنّ الفنانين لم يتمكنا من الوصول فعلاً إلى خلق فضاء ثالث بينهما... كأنهما قدما مرحلة من البحث يمكنها أن تتطور وتتخمر أكثر لتصل إلى مبتغاها. تبقى تجربة تقديم معرض مشترك بين فنانين معاصرين، تجربة مشوّقة ومطلوبة جداً رغم تعقيداتها.










لندعم Visualizing Palestine

أطلقت مجموعة Visualizing Palestine في الأمس حملة دعم على موقع Indiegogo تحت عنوان لأجل العدالة  #4JUSTICE. خلال نهار واحد إستطاعت الحملة أن تحصد حوالي 7000 $، والهدف الوصول إلى 60000 $. المبلغ ليس أبداً بالكثير نسبة إلى الأثر الكبير الذي تتركه مشاريعها على الرأي العام وصناع القرار في العالم. علينا جميعاً أن نساعد  Visualizing Palestine لكي يتابعوا العمل العظيم الذين يقدمونه. 

الموقع الإلكتروني للحملة : 
http://www.indiegogo.com/projects/visualizing-palestine-visual-stories-for-social-justice

وهنا تجدون العمل الأخير الذي قدمته المجموعة : 





فسحة للكتابة: قليل من الخيال قبل فوات الأوان


فيما كنت أقلّب الشاشات التلفزيونية صباح السبت، إستوقفتني نبرة الصحافية والباحثة الطرابلسية نهلة الشهال في حوارها مع بسام أبو زيد على شاشة LBC. بالرغم من وجهها المبتسم، كانت تنهره كلما لجأ إلى ترداد العبارات الطنانة، والحشو الصحافي. لا مجال لتضييع الوقت وتعبئة الهواء التلفزيوني بكلمات وعبارات وتحليلات يعرفها الجميع، ويرددونها دائماً.
بالرغم من أنني إستهديت إلى الحوار خلال دقائقه الأخيرة، لكنه كان واضحاً أن الشهال أتت لتعلن حالة الطوارئ، مستعرضة بحسب رأيها ما نحن بحاجة إليه اليوم في لبنان لكي نتفادى مصيبة أكبر من التي نعيشها. تحدثت بإصرار عن حاجتنا للتوافق كلبنانيين في ما بيننا، ولم تقصد مجرد طاولة حوار جديدة، بل توافقاً عاماً بين جميع اللبنانيين على أننا نعيش على فوهة بركان، والتوجه حالاً إلى إيجاد حلول، وحاجتنا إلى طروحات ذكية وإلى أفعال وخطابيات بعيدة عن الشحن السلبي والعنصري. لكن عبارة واحدة إستوقفتني بشدة خلال حديثها حين قالت ”إننا بحاجة إلى الخيال“. نعم ما نفتقده اليوم في ذلك الزمن المرير في العالم العربي هو الخيال. جميعنا بارعون في التحليلات السياسية والعسكرية والإستراتجية، التي عبرها بررنا لأنفسنا وقوفنا مع هذا أو ذاك، وتبنيّنا مشروعاً هنا وخطاباً هناك. وخلال السنوات الأخيرة شهدنا نحن اللبنانيين ثورات وسقوط أنظمة وقيام غيرها، ومجازر وقتلاً وتفجيرات، وكنا نحللها ونناقشها ونرفع الصوت ونتصادم ضمن فقاعاتنا الحقيقية أو الإفتراضية، متعامين عن واقعنا المأساوي. إلى أن حدث ما حدث في سوريا، وتدخل من تدخل من اللبنانيين هنا وهنالك، وتوافد اللاجئيين السوريين بكثرة إلى لبنان بحيث صار من المستحيل على أي لبناني أن يدعي أنه بمأنى عما يحدث في العالم العربي. وأتت تفجيرات الرويس وطرابلس لتلغي أي إحتمال بالحيادية التي تعتبر من أهم هوايات اللبنانيين بعد الشوبينغ والتنظير السياسي. نعم إنّ العالم العربي يمرّ في مخاض رهيب، ونعم إنه زمن صعود ونزول الإسلام السياسي والتكفيريين وغيرهم، ونعم إن الشعوب العربية التي ركدت لزمن طويل تتحرك، ونعم إن المسألة مسألة خريطة جديدة للشرق الأوسط الجديد، ولخريطة الغاز الجديدة، ولعبة نفوذ الدول الكبرى في المنطقة، وإسرائيل. ولكنها أولاً وأخيراً السنوات الأكثر دمويةً وقتلاً وبشاعةً وحقداً عرفها العالم العربي. إننا نعيش في حضيض الإنسانية، وجميعنا مسؤول عن إنحدارنا إلى ذلك الدرك من الإنحطاط. ما عدنا نستطيع عدّ أرقام الموتى، ولا معرفة أساميهم، ولا حتى جدران المدن عادت تتسع إلى أوراق النعوى. أصبح الموت خفيفاً كخفة إنسانيتنا المعدومة. فما العمل؟ لا لن أضيء شمعة في إحدى ساحات الدول العربية ولن أوشح صورتي بالأسود على مواقع التواصل الإجتماعي، ولن أتظاهر وأعتصم وأندد وأستنكر وأشجب، لأن جميع تلك الأفعال إنما هي أفعال سلبية تنتج كردة فعل على أفعال ولغة لا أفهمها ولا أجيد مفرداتها والأهم لم أخترها. إنما عليّ أن أفعل. نعم ينقصنا الخيال لأننا لا نفعل بل نتلقى ولا نقدم سوى ردة فعل. كفى إحتفالاً بالموت، وكفى إنحداراً بالإنسانية. وليست تلك الصرخة مناداةً إلى حيادية جديدة وإنفصالاً عن الواقع، بل إلى الفعل. أين هم المثقفون العرب اليوم؟ لا بل وبالتحديد أين هم المثقفون الشباب اللبنانيون اليوم؟ لماذا نتفرج على ما يحدث ونحن صامتون؟ لماذا نسمح لخطاباتهم وأفعالهم العفنة بأن ترسم حاضرنا ومستقبلنا؟ لماذا رضينا بأن نكون سلبيين ومهمشين؟ أليس لدينا تصور وطرح وخطاب أفضل لحياتنا؟ أي دور يلعبه اليوم المثقف الشاب اللبناني، من فنانين ومفكرين وأدباء وناشطين، في وجه خطاب الموت والحقد المسيطر علينا؟ ألسنا نحن المسؤولين عن صنع خطاب اليوم الذي يمثلنا؟ فلنحتل الميديا ولنفرض خطابنا. أين هم فرانز فانون وجان بول سارتر وألبير كامو وإدوارد سعيد اليوم؟ على المثقف اللبناني اليوم مسؤوليةً ودوراً كبيراً لا يمكن أن يتهرب منه، ولن يرحمه التاريخ في ما بعد. إننا جميعاً على يقين بأن لبنان يلاعب الحرب والموت، وبأنه إن لم يشتعل عن بكرة أبيه بعد لأنّ الوقت العالمي لم يحن ولكنه لم يعد بعيداً. الحرب قادمة والموت قادم، فماذا ننتظر؟ أم أننا نهوى كتابة القصائد التي ترثي شهداء المجازر؟ الحل ليس في يد السياسيين خاصة في بلد مثل لبنان يعتاش سياسيّوه على شحن وتجويع وموت شعبه. بل نحن المسؤولون عن مصير البلد. وهم لا ينقصهم الخيال، بل لطالما أبرعوا في تحويل جرائمهم إلى مشاريع سياسية. إنما نحن من ينقصنا الخيال، ومن لم يستطع حتى اليوم إيجاد خطاب وطرح وفعل مقنع يطغو على مشاريعهم القائمة على حقد الآخر. ولكن إلى أن يتطور طرحنا الخاص، فلنغزو اليوم خطاباتهم بأفكارنا المتعددة والمتناقضة حتى، التي قد لا تنجح في التغلب عليهم، ولكن على الأقل فلنشوش عليهم. لنكتب مقالات ونرسلها إلى الصحف اللبنانية، ونقحم أنفسنا في برامجهم التلفزيونية، لكي نكرس مساحة لنا ولصوتنا. ولما لا ننشئ إصداراتنا وصحفنا وراديوهاتنا وقنواتنا إسوة بالمثقفين الذين سبقونا في سائر الحروب السابقة. إنه أصبح من الضروري أن نخلق تلك الخاصة في حياة ذلك البلد، قبل أن نجد أنفسنا إما خارجه أم أمواتاً.

نشر في جريدة الأخبار 

Q&A about "Objects in Mirror Are Closer Than they Appear" for Videobrasil 18th edition online platform


1. What was your research work like on creating Objects in Mirror Are Closer Than they Appear?
In making this video, I was interested in producing an image of Beirut, a city that I had got to know through the television as a child. I moved to Beirut in 2001 to pursue my university degree. Beirut, the lived city of 2001 was different from the televised city of my childhood. I decided to create my personal contemporary footage of the city in order to understand it.
I opted to use my iPhone to produce this footage, as I didn’t intend to stage my findings in professional set-up. The aim was to document my existence in Beirut, instead. As my comprehension of the city, through television, was mainly of interior spaces in studios or nightlife venues, I decided to take outdoor shots of spaces in the city. I later realized that I actually was not interested in these pieces of footage, and was more naturally inclined to document the city through my own interiors, parties and micro-scale conversations with confined space. In doing so, archival footage from my childhood became relevant again, in defining my perception of the city, but I was persistent that all material that would be used in producing my personal contemporary image Beirut were to be shot in the “now”. Any archival footage would be re-shot with my iPhone as it played on the television screen.
Another layer of the video is the parameter of accessibility of Beirut, the televised city. I was able to reach Beirut and produce my own interpretive image of it, but what is the contemporary image of Beirut to those who can’t? In order to harvest this information, I held audio-recorded conversations with some of my Palestinian friends on different trips where we would meet in Jordan, and ask them about their idea of Beirut. These conversations lead to my curiosity of how their Palestinian cities looked like, hence commissioned them to shoot their own footage of their contemporary cities.
The filtration process of this amount of sporadic material needed to be liable to the idea of the existence of the city in perception versus reality. The construction of the video processes a confused map of Beirut, dwindling and reappearing between different logics of maneuver, concerning constructed imagery versus experience. The outcome became an installation that produces physical obstacles to perceiving a whole image of the city, forcing the viewer to construct their own representations of a potential Beirut.    
2. Which aspects of your creative process would you like highlight (aesthetical, ethical, poetical, political etc.)?
I think that one of the main aspects that I wanted to experiment with in this project was the physics of perceiving footage. As an artist with different work in video and performance art, I was interested in creating a work that physically compliments the conceptual framework of the video. Objects in Mirror Are Closer Than they Appear mainly invests in the distortion of the city within different modes of storytelling. As different narratives of the city exist, it is impossible to look at the city wholly or objectively. In its format, the unattainability of perception of the two video works, super-imposed back-to-back, recreates this dynamic of helplessness and loss in an unaggressive manner reflecting the matter-of-fact impossibility of the discourse at hand.   
3. How do you locate the conception of this piece in relation to your own poetics?
I consider my work constantly related to the subjective constructions of space, using scripted and archived footage to represent notions of the evasive self versus real place. This video presents a dimension of the narrative of the self versus the narrative of the city, their intersection, their outcome, representation and distortion. In this project, my work with archival footage acquired more volume, both conceptually and technically, where archived footage only becomes valid after being recaptured (filmed with an iPhone while playing on screen) in the present. On another hand, the use of video as a designed character within a space, not transferrable wholly on screen pushes my personal discourse of the relationship of a video work with a setting and an audience, and the significance on the overall statement being laid out for discussion.   
4. Which references from the art world or other fields of knowledge have driven the creation of this piece?
I’m not sure there is a direct reference or inspiration that the piece sprouted from. I generally have an interest in the idea of layouts of objects in space that create a relationship between the body of the work and the body of the spectator. Given that my background is in Theatre, setting and space are intrinsic to my thinking process. That being said, staging a metaphysical medium (video) physically as a character, and proposing its viability as a spatial object as opposed to a projection in an auditorium was a conscious choice to expand the ideas of the perception of the city that are present in the work.
5. Further, which dialogues and/or emotional exchanges arose from your creative process?
The process of shooting the footage of Objects in Mirror Are Closer Than they Appear was not staged or scouted, but my day-to-day existence in the city became a more aware one for the period of producing this work. Mundane events became iconic. Simple gestures became worthy of recording and filming. While doing so, this shift of the notion of “understanding the city” became in the foreground of my thinking, distancing myself from the events I shoot. This distance became a gap that allowed me to think of being in this place, as opposed to my usual, normal existence. This gap became a major layer in scripting the final video content and installation.
6. In what way did the social, cultural and political contexts interfere with the development of the work at hand?
The work is a direct conversation with the social, cultural and political contexts of Beirut, the city that is the setting and main character of the video installation. Discretely, the work puts all of this matter into its foreground in a visceral manner, not in an academic discourse. The fact that the footage was shot with an iPhone camera limited the interference of security restrictions to the liberty of the ideas of the video. In the visibility of the real world, I was just a man shooting videos of his everyday life, not an artist having a critical conversation with his city. This created an opportunity to discuss socio-cultural and identity-related topics on a human scale. Society became a dance-floor in a wedding. Sexuality became an underground theatre. Psycho-geography became a mission to find the Casino de Liban. The city became an object in the mirror closer than it appears.   
7. What contemporary and/or historical experiences, fictions, and narratives does your piece address?
This piece addresses contemporary Beirut. It conveys its presence in different consciousnesses. It elaborates on the perception and consumption of space using my personal experience as a vehicle, proposing relevant and relatable narratives in video that are open for deconstruction and reclamation within the space of the installation.

8. In what way do you think that the form and the language adopted in conceiving this piece structure out and convey those issues?
The aesthetic choice of the video, being shot with an iPhone camera creates an aesthetic common to informal everyday consumption of the city, liaising the artwork, the artist and the viewer automatically within this familiar medium. The structural choice and layout of the video installation creates a system where the viewer and the “familiar” video are in a sort of confrontation, where the viewer is allowed to edit and re-edit their narratives of the city indefinitely without the consent of the city or the artist. Both of these terms reinforce the ideas of the relationship of the city, the idea of the city, and its people as being fluid and indefinite. This viewpoint to the city, constructed by the form and language of this video installation, create a conductive medium for what is being conversed. 

Click here for a preview of the video installation 

سوسن بوخالد: «أليس» تصارع وحوشها


على مدى ساعة، تضعنا الممثلة والمخرجة الشابة أمام المخاوف والأحلام والهواجس الطفولية من دون أن تثقلها بشحنات ميلودرامية. عرضها الجديد الذي يقدَّم على خشبة مسرح «دوّار الشمس» يعكس واقع المواطن العربي في لحظات البحث عن الوجود الآمن. في بقعة صغيرة تتسع لأربعين مشاهداً، تحلّق الجمهور حول فراش سوسن بوخالد. إنه مسرح رواياتها الممزوجة بالخوف والحلم والتحوّلات في عرضها «أليس» على خشبة مسرح «دوار الشمس». صمت. الليل وظلمته ثقيلان على امرأة وحيدة في فراشها. عمرٌ يمر وتجاعيد تتكاثر لا يمكن تجنبها سوى عبر وضع الخيار على العينين كل يوم قبل النوم. ينطفئ النور، ويعمّ الصمت قبل أن نلج إلى عالم من المخاوف.
وحوش تغزو سكينة الليل. تحت الشرشف، وراء السرير، في زوايا الغرفة، من كل مكان. تتخبط سوسن بوخالد مع قدم وحش، تخرج من تحت فراشها، تتقمص شخصيات لتهرب من خوفها، تستحضر أمّها لتشعر بالأمان، تتحول إلى غيمة، وإلى صديق وهمي. في «أليس»، تعالج سوسن بوخالد الواقع الذي نعيشه اليوم ـــ أحياء وأمواتاً ـــ من دون أن تثقل موضوعاً عميقاً مماثلاً بشحنات ميلودرامية. إنّه واقع المواطن العربي، أو أي واقع إنساني آخر في لحظة البحث عن الوجود الآمن. تلك الحاجة الأساسية إلى الأمان، إلى الطمأنينة، إلى العيش والوجود خارج الخوف. كي تبتعد عن الابتذال ومحدودية المعالجة المباشرة لموضوع مماثل عبر سياقات محددة من الواقع السياسي الاجتماعي، اختارت أن تعود إلى مخاوف الطفولة، المخاوف الأساسية. تلك المرأة وحيدة في الليل، ومثل أي طفل، تخاف الوحوش المختبئة تحت فراشها في العتمة. تخاف ما لا تستطيع رؤيته، أو ملامسته والسيطرة عليه. تخاف المصير. من هنا، يقتصر النص على كلمات طفولية بسيطة تجتمع أحياناً لتخلق جملاً بسيطة هي الأخرى. ورغم أنّ انزلاق النص أحياناً إلى لغة البالغين أدى إلى إضعاف تماسك منطقه، إلا أنّه أضفى بعداً فلسفياً على أصغر التفاصيل، ينبع من الأسئلة الوجودية التي يطرحها الأطفال ومن حاجاتهم الأساسية التي نتعلم أن نتغاضى عنها ونضحّي بها نحن الكبار. «كيف ما بتعرفي الفرق بين ريحة الزهور وريحة الخرا!» تسأل تلك المرأة رفيقتها الوحيدة الدمية القطة «أليس»، في ليلها الطويل. هذا السؤال يختصر عرض سوسن بوخالد. زمن تنتفي فيه قدرة التمييز بين رائحة الزهور ورائحة الخراء. أصغر التفاصيل قابلة للتحول المستمرّ من الجمال إلى القبح ومن الطمأنينة إلى الأرق ومن الحياة إلى الموت والعكس. ما من ثابت، بل كل شيء متحول. سكينة الليل تلامس الموت، والربيع يخبئ في طيّاته وحوشاً تأكل عقول الأطفال، فتمنعهم من الحلم. تلك المخاوف تقدمها سوسن بوخالد ضمن قالب بسيط. عبر مساحة لا تتعدى فراشها المتحوّل إلى فضاءات مختلفة تنتقل سوسن بجمهورها من عالم متحول إلى آخر على مدى ساعة من الزمن. أما باب الحلّ الذي تقترحه، فهو الحلم والخيال. الأطفال يحلمون ويتخيّلون، ويحوّلون مخاوفهم إلى لحظات جمال وطمأنينة. أجمل التحوّلات في «أليس» هو تحوّل الوحش إلى كائن جميل. إنّه المسرح مساحة الخيال. في عالم نعيش فيه ويحوي عدداً كبيراً من الأموات، وربّما نحن أموات أيضاً، لا ملجأ لنا سوى الخيال. «أليس» الذي أسهم «الصندوق العربي للثقافة والفنون ـــ آفاق» في إنتاجه قدّم في القاهرة قبل أشهر، ويقدم اليوم في بيروت. تعاون الثلاثي سوسن بوخالد (كتابة وتمثيلاً وإخراجاً)، وحسين بيضون (سينوغرافيا) وسرمد لويس (إضاءة) أثمر عملاً متقن التفاصيل وغنياً جداً في خلقه للصور. يبرهن حسين بيضون مرّة جديدة على أهمية السينوغرافيا المسرحية الموظفة بشكل كامل لخدمة الرؤية الإخراجية والدراماتورجية التي يندر أن نشهدها في الأعمال المسرحية اللبنانية. العناصر جميعها ببساطتها وتعقيدها، ومن بينها الفيديو، تحضر على المسرح لهدف درامي وليس لمجرد الديكور. بدقته المعهودة، اختار سرمد لويس الألوان وإضاءة منيمالية المناسبة لتدعيم مشاعر الخوف وبرد الليل ولمرافقة لحظات الحلم، راسماً عبر الظلال مساحة أخرى موازية للعرض. هذه العناصر، أعادت سوسن بو خالد توظيفها ضمن رؤية إخراجية، يتنقل فيها جسدها ـــ في مساحة لا تتعدى المترين والمتر ـــ من بقعة إلى أخرى خالقاً في كل مرة لوحة فنية جديدة.
الحلقة الأضعف
النقطة الأضعف في عرض «اليس»، تبقى التركيبة الدراماتوجية. تجرّأت سوسن بوخالد على اللعب على الصمت في عرض مونودرامي لا يرتكز سوى على وجودها بمفردها على الخشبة (بمساندة العناصر السينوغرافية). برعت في تقديم مشاهد صامتة أبلغ من المشاهد الناطقة. لكنّ إيقاع العرض شابه بعض لحظات الفراغ التي ربّما أرادتها بوخالد لتنقلنا معها إلى فراغ الوحدة في الليل المليء بالمخاوف. لكن ثقل تلك اللحظات أثّر على تماسك العرض وانسيابه. تبقى محاولة سوسن بوخالد هي المثيرة للاهتمام، لناحية التجريب في البحث عن إيقاع غير كلاسيكي تتخلله لحظات تغيب فيها الأفعال الصامتة والناطقة، بعيداً عن الحشو الدراماتورجي. لكن في «أليس»، تبقى قوة بعض المشاهد طاغية على العرض بكليته، ما يضع المشاهد أمام لحظات انتظار قدوم مشاهد جديدة لتنتشله من بعض الرتابة. من هنا، لا بد من إعادة النظر في دراماتورجيا العرض من حيث تفاصيل البنية الدرامية لكل مشهد، وتماسكها لتكوين إيقاع العرض العام.

عزيزي الأصولي أسقني الثقافة العربية لا تحريمك


عزيزي الأصولي العربي الشاب، خلال السنوات الأخيرة أتحفتني بثقافة تحريمك. فتارة تريد أن تقطع مشاهد القبل والعريّ من أفلام السينما، وتارة تهجم على سينما أو معرض فني وتطالب بإغلاقه، وتمنع كتاباً هنا وفيلماً هناك... فاسمح لي أن أعرفك على الثقافة العربية التي تبدو وكأنك دخيل عليها، مع أنه مثلي مثل حالك ولدنا في نفس الوطن العربي ونطقنا نفس الضاد. لكن لا بأس، لا بد أن نتحاور ونتناقش لأننا، لا أنت ولا أنا،  اخترنا  أن نكون عرباً بل ولدنا كذلك. لن أغوص معك في تطور الفكر الثقافي العربي المعاصر ولكن فلنعد ولنتذكر سوية أغنيات طربية سبقت مولدنا أنت وأنا، وأصبحت جزءاً لا يتجزء من الثقافة العربية، لا بد أنك سمعتها مراراً وتكراراً وتربيت عليها مثل كل مواطن عربي. دعك من النجس والدنس والفحشاء التي صدرها إلينا الغرب، فلنبحث في أغاني أمثال أم كلثوم وأسمهان وصباح فخري عن مرآة لثقافة عربية يبدو أننا نختلف عليها.  

بداية، لا بد أننا نتفق أن أم كلثوم كانت مطربة القرن العشرين بامتياز. فقد أطربتنا منذ بدايته حتى نهايته، بما مرّ خلاله من تقلبات سياسية، واجتماعية، وثقافية، استطاعت مواكبتها، لا بل يمكن قراءة جزء كبير من تاريخ مصر والأمة العربية عبر أغانيها. كان لأم كلثوم علاقة وطيدة بالسلطة منذ أيام الملك فاروق، مروراً بجمال عبد الناصر، وصولاً إلى أنور السادات، وهي غنت تلك المراحل بصوتها. كما كانت أغانيها مرآةً للمجتمع، كذلك كانت للفرد المصري بشكل خاص، والعربي بشكل عام. لذلك، استطاع كلّ مستمع أن يجد في أغاني كوكب الشرق كلمات تحاكيه، أو تتكلم عنه، في فرحه، وعشقه، وحزنه، وهزيمته، وانتصاره. لا بد أنك تعلم أنها غنت لأمير الشعراء أحمد شوقي "نهج البردة" في مديح الرسول. أما "الست" فعُرف عنها بأنّها لم تكن تشرب الخمر. ذلك التمنع عن الشرب يصفه أيضاً أحمد شوقي في أغنية "سلوا كؤوس الطلا". إذ إنّه في أول لقاء جمعه بكوكب الشرق، أُعجب شوقي جداً بصوتها. وفي نهاية الحفل تقدم منها ليهنئها، مقدماً لها كأساً. فرفعت الكأس احتراماً حتى شفاهها، ولكنّها لم تشرب منه. أُعجب أحمد شوقي يومها بلباقة تصرف الستّ، فكتب لها قصيدة يفتتح مطلعها بـ"سلوا كؤوس الطلا هل لامستْ فاها، واستخبروا الراح هل مسّتْ ثناياها"، وأرسلها لها في اليوم التالي. قبلت أم كلثوم القصيدة هدية من أحمد شوقي، لكنها انتظرت سنوات بعد رحيل أمير الشعراء لتطلب من الملحن رياض السنباطي تلحينها، فغنتها سنة 1944، معدّلة بعض الأبيات عبر حذف ذكر اسمها منها. إذ إن أمير الشعراء في الأبيات اللاحقة  يتوجه إلى "ثومة" سائلاً "ما ضرّ لو جعلتْ كأسي مراشفها؟"، رغبة منه في أن تشرب من كأسه، لتعود شفاهه فتلمس المكان ذاته من الكأس.
نعم أم كلثوم لم تكن تشرب الخمرة، وإن كان ذلك انطلاقاً من اعتقاد ديني أم لا، لكنّها غنّت عن الخمر والسكارى كجزء من المجتمع الذي عاشت فيه، وتعايشت معه. من المؤكد في ذلك الزمن أن تحريم الخمر أو غيره في الدين لم يكن معياراً تعتمده المطربات في اختيار كلمات الأغاني. لا بل كانت جودة العمل الفني، وتواصله مع المحيط الذي ينبثق منه هي المعايير الأساسية لذلك. وبما أن شرب الخمر كان وما يزال جزءاً من الممارسات الاجتماعية، كان لا بد أن يجد مكانة في أغنيات كوكب الشرق. أما في أغنية "الأطلال" التي كتب كلماتها الشاعر إبراهيم ناجي، وغنتها أم كلثوم في عام 1966 لأول مرة، تتحدث كوكب الشرق عن فقدانها للمحبوب مخاطبةً قلبها: "يـا فؤادي لا تسلْ أين الهوى"، بل "اسقني واشربْ على أَطلالها". هكذا تجد في الخمر علاجاً من الأسى عبر النسيان ”فتعلَّمْ كيف تَنسى، وتعلَّمْ كيف تمْحو". ثم تتابع الأغنية في وصف حالة السكر والفرح والضحك مع الندماء: ”وضحكنا ضحْكَ طفلين معاً"، إلى مرحلة اليقظة ما بعد السكر، متمنية عدم زوال مفعول الخمر: "وأَفقنا ليت أنّا لا نُفيق". لتعود وتختم سائلةً الحب إن رأى هكذا سُكارى، علماً أنّ تلك الأبيات الأخيرة أضيفت إلى الأغنية من قصيدة أخرى للشاعر نفسه.
تعلم جيداً أن وصف الخمرة والتغزل بها وبمفعولها ليس جديداً على الثقافة العربية، رغم تنصل البعض حالياً من ذكرها، أو التنكر لوجودها. وإن كان الشعر خير مؤرّخ لتفاصيل المجتمع التي تتجاهلها كتب التاريخ وسائر النصوص الرسمية، فإنّ للخمرة منزلة عزيزة في الشعر العربي، منذ عصر الجاهلية حتى يومنا هذا. من المؤكد أنّ ظهور الإسلام قلص تلك الظاهرة في العالم العربي، أو التكلم عنها علناً على الأقل، ولكن الأبيات الشعرية تظل شاهدة ولا يمكن تجاهلها. يبقى أبو النواس مثالاً مجاهراً بعشقه للخمر علناً: "ألا فاسقني خمراً وقل لي: هيَ الخمرُ، ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهرُ، فما العيْشُ إلاّ سكرَة بعد سكرة، فإن طال هذا عندَهُ قَصُرَ الدهرُ". وأبو النواس، المعروف بشاعر الخمرة، عاش في العصر العباسي في أواخر القرن الثامن، متنقلاً ما بين البصرة وبغداد ودمشق والقاهرة، وكان مقرباً جداً من الخليفة المسلم هارون الرشيد، ثم من ابنه الخليفة الأمين.
شاعر الخمرة ذاك، وبعد قرون عديدة، سوف يجتمع مع عمر الخيام ليسكرا سوية في ليلة كلثوميّة. "هلّ في ليلتي خيالُ الندامى والنُواسيُّ عانق الخيّاما، وتساقَوا من خاطري الأحلام وأحبوا وأسكروا الأياما". إنه بيت في أغنية "هذه ليلتي" التي كتبها الشاعر اللبناني جورج جرداق لأم كلثوم. في هذه الأغنية، لا تكتفي كوكب الشرق بوصف ليلتها بليلة سكرٍ وخمرٍ، بل توصّف عبرهما الفرحة التي تغمرها بقرب الحبيب، وتتغزل بمعشوقها كونه هو خمرتها: "يا حبيبي وأنت خمري وكأسي، ومنى خاطري وبهجة أنسي".  ودعنا لا ننسى أنّ أم كلثوم هي ابنة المؤذن إبراهيم البلتاجي، وبرعت في تجويد القرآن والأناشيد الدينية، لكنها غنت ومنذ بداية حياتها المهنية عام 1925 "الخلاعة والدلاعة مذهبي/ من زمان أهوى صفاها والنبي". حينها كانت الفنانة الجديدة الصاعدة تودّ منافسة سلطانة الطرب منيرة المهدية، التي اشتهرت بتغنّيها بلذّات الحياة، في عقر دارها. 
دعنا من أم كلثوم، فلنتجه قليلاً نحو بلاد الشام. فإن لأسمهان أغنية تتخطى فيها ذكر الخمر إلى اللذة الجنسية في الشرب: "صُبّها من شفتَيك في شَفتي". وقد تكون قصيدة "أسقنيها بأبي أنت وأمي" التي كتبها الأخطل الصغير من أجرأ ما غنته أسمهان: "ولماك في فمي فديت فاك، هل أراك وعلى قلبي يداك ورضاك، هكذا أهل الغزل كلما خافوا الملل أنعشوه بالقبل". وماذا عن سيد القدود الحلبية والموشحات صباح فخري، فلا بد أنك شاهدت الملايين من العرب يتراقصون على نغمات "خمرة الحب إسقنيها"، وصباح فخري ينطرب ويكرر "خمرة الروح القبل... صليني، بالنبي، صليني".
عزيزي الأصولي العربي الشاب، تلك ليست إلا أمثلة قليلة من زمن الماضي، وكل ما وددت أن أقوله لك: إن استمرارك في نزعتك التحريمية الأصولية قد تؤجج تصادماً لن يستطيع أحد فيه أن يلغي الآخر، ولكننا سوف نقضي على ثقافتنا العربية. فلا تشرب الخمرة (وجميع محرماتك) ولا تغنيها، ولكن عزيزي أسقني الثقافة العربية وليس تحريمك. نهاية وقبل الوداع، أتركك مع أغنية "يا جارة الوادي" التي كتب كلماتها أحمد شوقي ولا تخلو من الغزل الإباحيّ، ولكن انصحك بنسخة غنتها المطربة اللبنانية نور الهدى بدون موسيقى، فإنها الأجمل.


نشر في رصيف ٢٢