جوان باز : رحلة (مركبة) إلى فلسطين


في دردشة مع والدة الفنانة جوان باز، تقول سميرة باز إنّه عندما تصفحت الكتيب الذي صدر مع العدد الأخير من مجلة The Outpost، لم تتخيل أنّه من هذا الكتيب الصغير، والبسيط بمفرداته ورسوماته، يمكن إنتاج ذلك المعرض بتفاصيله كلها. ما لم تعرفه والدة باز، أنّها تلك هي الحالة في «دار قنبز» مع نادين توما وسيفين عريس، حيث كل تفصيل يتحول مادةً شيقة للاستكشاف، وطبعاً بتنفيذ وتقنية عالية، فكيف لو كانت تلك التفاصيل متعلقة برحلة مركبة إلى فلسطين مع جوان باز؟
ضمن «أسبوع بيروت للتصميم» في منطقة «الصيفي فيلاج»، حطت باز و«دار قنبز» رحالهما في معرض «ذهبت أبحث عن فلسطين فوجدت». في البداية، يستقبلك كتيّب أرقام حيث تخصّص باز لكل رقم (من الواحد إلى العشرة) رسومات لأشياء وجدتها خلال رحلتها بحثاً عن فلسطين. وانطلاقاً من مقولة محمود درويش «السخرية تساعدني على تخطّي قساوة الواقع الذي نعيشه»، أعادت جوان تسمية ما وجدته في رحلة البحث تلك ضمن قالب ساخر يجعلنا نعيد التفكير في تفاصيل تعدّ من المسلّمات. هكذا تحولت الألغام الإسرائيلية إلى «ألعاب» في إشارة إلى أشكالها التي قصد عبرها الإسرائيلي إغراء الأطفال للعب بها. وبذلك، تحولت الأشلاء وأطراف الأجساد المبتورة إلى «أخطاء». أما الدبابات الإسرائيلية المهزومة والموجودة في الجنوب اللبناني، فتحولت إلى «آثار». من ذلك الكتيب، استوحت باز تجهيزاً فنياً يحمل عنوان «حائط». في الحائط الخشبي الموجود وسط الصالة، عشرة ثقوب صغيرة تدعونا إلى النظر عبرها إلى عشرة فيديوهات. وإلى جانب كل ثقب طابعة حبرية تحمل رسم أحد الأشياء المذكورة في الكتيب، وعلى المتفرج طبع الرسم على الحائط جنبه كلما شاهده يعبر في الفيديو. ذلك الحائط مع فيديوهاته الملتقطة بأسلوب Road Movie أشبه بصندوق فرجة يرينا عالماً بعيداً منا.
إنه الجدار الذي يفصلنا عن فلسطين. لكن مجرد أن نعبره إلى الغرفة الثالثة، تتضح لنا الشاشة التي تعرض الفيديوهات مجتمعة، لنعود ونتنبّه إلى عبثية قرب الأراضي الفلسطينية منّا، وعدم استطاعتنا زيارتها. في المساحة الثالثة التي تحمل عنوان «محلّ تذاكر»، تتوافر أغراض من تجهيز «دار قنبز» وباز منها قماش قطنيّ أبيض مع خيارك من الطبّاعات الحبريّة لصنع كوفيّتك الخاصة. كذلك، هناك مربعات تطريز، استندت الدار في تصميمها إلى أسلوب التطريز الفلسطيني، واعتمدت فيها رسومات جوان باز، فنتج منها «طرز قانا» و«الأرملة» و«بوابة فاطمة» و«مارون الراس»، بالإضافة إلى بطاقات بريدية، وملصقات مغناطيسية، وحتى كعكات على شكل دبابات إسرائيلية لأكلها! ما يميز «ذهبت أبحث عن فلسطين فوجدت»، هو استعماله مفردات السفر وما يصادفنا خلال تلك الرحلة المركبة نحو فلسطين في قالب قد يبدو ساخراً أو عنيفاً، لكنه يحدث تلك الصدمة التي تجعلنا نعيد التفكير في مسلمات حفظناها.
«ذهبت أبحث عن فلسطين فوجدت» حتى بعد غد الاثنين ( من الساعة ١١ صباحاً حتى ٧ مساءً) ـ صيفي فيلاج، «غاليري مقام» سابقاً





ساندي شمعون - بوتيكات






بوتيكات 
بصوت ساندي شمعون 
عن الشيخ إمام عيسى
كلمات : أحمد فؤاد نجم 


عود : عماد حشيشو 
عود : أحمد عمران 
أكورديون : سماح أبي المنى
إيقاع : أحمد الخطيب 

من سهرة " أفراح وأحزان القرد" في مترو المدينة 

قادر عطية لا يتنكّر لندوب بيروت



في «صراع الطبيعة» الذي يحتضنه «مركز بيروت للفن» يميّز الفنان الجزائري بين كيفية فهم وممارسة الترميم لدى الغرب الحديث والحضارات القديمة غير الغربية. نقاش يصبّ مباشرة في إشكالية إعادة الإعمار في العاصمة اللبنانية بعد الحرب.
يستقبلك طائر القيثارة في الغرفة الأولى، مقلّداً الأصوات الدخيلة على عالمه، ليعيد تقليد تلك الأصوات العدوّة في «محاكاة كفعل مقاومة». على سطوح صفائح مدينة القصبة، تسير إلى الغرفة الثانية. وكما استلَفَ عمال جزائريون بعض مواد البناء التالفة من مشاريع سكنية استعمارية وبنوا مدناً عربيّة بربرية، مرمّمين مساكنهم، لتتحول إلى عشوائيات مثالية، استلف الفنان أيضاً الصفائح وألواح الخشب، والدواليب ومواد أخرى من بيروت وضواحيها ليبني تجهيزه الفنيّ «القصبة». في الغرفة الثالثة، متحولون جنسياً يرممون أجسادهم بحثاً عن هويتهم الخاصة، وحضارات أفريقية قديمة ترمم أدواتها وأقنعتها، وأطراف اصطناعية ترمم جسد الإنسان، وأطباء يرممون وجوهاً تضرّرت بعد الحرب العالمية الأولى، وغرب يرمم صورة مستعمراته، ومستعمرات سابقة ترمّم صورتها عند الغرب، وأخيراً تصدُّع في أرضية «مركز بيروت للفن» يرمّمه قادر عطية (1970).
شغل مفهوم الترميم، الفنان الجزائري الفرنسي المقيم حالياً في برلين، حيث كرّس له اهتماماً وأبحاثاً طويلة في علم الفلسفة والتاريخ والهندسة المعمارية. قدّم نتاجاته في معارض عدة حمل آخرها عنوان «ترميم: خمسة فصول» (أيار/ مايو 2013) في برلين. انطلاقاً من عمله «المحاكاة كفعل مقاومة» الذي اختتم به معرضه الأخير، يفتتح اليوم معرضه الفردي الجديد في «مركز بيروت للفن» تحت عنوان «صراع الطبيعة» (الصراع بين الطبيعة الأم والطبيعة الإنسانية).
يطرح قادر عطيّة في معرضه البيروتي زاوية مختلفة لمقاربة الترميم، أكان عبر مظاهر طبيعية أم عبر الهندسة المعمارية وصولاً إلى جسد الإنسان. يستند الفنان في أبحاثه إلى مراجع عدة مثل راسل والاس وداروين ودي أندرادي وفرانز فانون وسيمونيه ولو كوربوزييه وغيرهم. لن نقدم هنا وصفاً للمعرض أو تفسيراً اختزاليّاً لجهود طويلة ولطروحات معقدة، خصوصاً أنّ الفنان وفّر لزوار المعرض نصاً يقدّم عبره شرحاً مفصلاً لجميع الأعمال المعروضة، ويوضح السياقات والمراجع المرتبطة بكل عمل. لكن انطلاقاً من المعرض الذي اختار الفنان إقامته في بيروت تحديداً، لا بد من أن نحاول تقديم قراءة موازية للمعرض انطلاقاً من هذه المدينة، مدينة الترميم بامتياز.
في معرضه، يميّز عطية بين كيفية فهم وممارسة الترميم لدى الغرب الحديث ولدى بعض الحضارات القديمة غير الغربية. «يفسّر الغرب الحديث الترميم وفق الأصل اللاتيني للكلمة (reparere)، أي العودة إلى الحالة الأصليّة. بعض الثقافات غير الغربيّة تعتمد مفهوماً معاكساً. عندما تكسر قطعة أثرية، على الترميم أن يبقى بارزاً». مقاربة الترميم في الغرب الحديث ليست سوى نتيجة مفهوم «الحداثة الغربية» التي ترى طلاقاً بين الطبيعة والثقافة. وبذلك تتحدى الطبيعة في الانتصار على التلف، وإعادة الشيء إلى شكله الأول، مخالفة المجرى الطبيعي للأمور. ذلك الطلاق «الحداثي» الغربي بين الثقافة والطبيعة ينتقده بشدّة الفيلسوف الفرنسي برونو لاتور في كتابه «لم نكن حداثيين أبداً»، ويتفق معه قادر عطية، وعليه يبني معرضه. «التلف مصير كل مادة، وإرادة الإنسان بإعادة شكلها الأول أمر يخالف المجرى الطبيعي للأمور: إنّها منافية للطبيعة». أما عند الحضارات القديمة غير الغربية، وفي صور فوتوغرافية يقدمها عطية في معرضه، نلاحظ اعتماد الترميم الظاهر لأقنعة وأشياء أخرى، ما يحفظ أثر الضرر ولا يتنكّر له. يصبّ الترميم هنا في التطبيق العملي، والتأقلم مع البيئة.
من الواضح أننا في لبنان، وفي بيروت تحديداً اخترنا المنهج الغربي، والصدام مع الطبيعة. أعدنا ترميم الوسط التجاري ليعود كما كان، وبذلنا جهداً كبيراً لإخفاء جروح حرب شهدتها المدينة، وتركت أثرها على هندستها المعمارية. والملاحظ أننا فشلنا فشلاً ذريعاً في التأقلم مع بيئتنا، خصوصاً عندما أعدنا ترميم العمارة في وسط بيروت لتعود إلى سابق عهدها، كأنّ حرباً لم تحدث. ثم أضفنا عمارات أخرى تشبهها في الشكل، تبدو كأنّها مرممة، لكنها في الواقع عمارات حديثة. أما المباني التي تم الحفاظ عليها ضمن حالتها المتضررة، فلم نجد سبيلاً حتى اليوم إلى ترميمها بطريقة لا تلغي الماضي، بل تعيد استيعابه ضمن الحاضر. لذلك بعد مرور ٢٤ عاماً على انتهاء الحرب، لم نجد الوسيلة لترميم عمارات مثل «سيتي سنتر» وبرج المر و«هوليداي إن». حتى أنّ الشارع الذي يجمع «هوليداي إن» و«فندق فينيسيا» كان يمكنه ببساطة أن يكون جزءاً من معرض «صراع الطبيعة» لقادر عطية. رُمّم «فندق فينيسيا» ضمن سياسة إعادة وصله بما يسمّى الفترة الذهبية لبيروت، مع تجاهل حقبة الحرب التي مرّت عليه. وبدلاً من أن نجد حلاً لترميم «الهوليداي إن» بطريقة ملائمة لتاريخ المبنى، فقد أعلن أخيراً عرضه للبيع في المزاد العلني، وترك مصيره معلّقاً بيد المالك الجديد الذي يمكنه هدمه في أي لحظة. إعلان صارخ لفشلنا في التأقلم مع بيئتنا، ولصراعنا مع الطبيعة. ذلك المنطق في الترميم اعتمدته الدولة اللبنانية بأسرها، امتد من العمارة إلى المنهج السياسي والاجتماعي عبر إصدار «قانون العفو العام» عن الجرائم المرتكبة خلال الحرب الأهلية، وعبر سياسة «دعونا ننسى الماضي». سياسة ولدت في صراع مع الطبيعة، وولدت أجيالاً جديدة أكثر طائفية وتطرفاً، وأكثر جهوزية قابلية لإشعال حرب أخرى.

ما الحلّ إذاً؟ يستند عطية في أعماله إلى دعوة الشاعر البرازيلي اوزوالد دي أندرادي إلى تفكيك إرث المستعمر للتخلص منه. في بيروت، علينا تفكيك إرث الحرب للتخلص منه. وكما يقول عطية «ليس الترميم غاية بحدّ ذاته، بل يربطنا بما لا يمكن ترميمه، بما يبنينا ويتفلت منا». إن إخفاء أثر الترميم لا يبني سوى قطيعة مع الطبيعة ستكون آثارها أكثر سلبية في المستقبل. أما الترميم الظاهر والتأقلم مع الضرر فحاجة مرحلية للعبور إلى بيئة سليمة في المستقبل.

«صراع الطبيعة» لقادر عطية: حتى ٢٢ آب (أغسطس) _ «مركز بيروت للفن» (جسر الواطي). للاستعلام: 01/397018

«هوليدي إن» خير ممثل لبرنامج «آفاق»

#khelfie

وصلنا إلى المدخل الأعلى لمبنى «هوليدي إن» حيث كان ينتظرنا فريق «آفاق» وبعض عناصر الجيش اللبناني. اجتزنا الطابق الأرضي، ووصلنا إلى الباحة الأمامية، حيث «سان شارل سيتي سنتر». هناك اختارت «مؤسسة آفاق» إقامة مؤتمر الإعلان عن الفائزين بمنح «برنامج التصوير الفوتوغرافي الوثائقي العربي 2014».
خلال انتظار بدء المؤتمر، كان الجميع مشغولاً بتفقد المبنى الشهير، أو رافعاً هاتفه لالتقاط صور في فرصة نادرة ومهدّدة. إحساس غريب وأنت تقف في تلك الباحة أمام أحد أشهر بل أفظع المباني في بيروت. من هنا، من الطوابق العليا، اصطاد القنّاصون ضحاياهم في الشوارع المحيطة. إنه الفندق نفسه الذي شهد حرب الفنادق، إحدى أبشع معارك الحرب الأهلية. اليوم، يتخذه الجيش قاعدة عسكرية، كما فعل ببرج المرّ، ويمنع دخوله من دون إذن. جميع تلك الصور كانت تعود إلى الأذهان، فيما فرقة تعزف الجاز خلفنا. علماً أنّ جريدة «دايلي ستار» أوردت أخيراً أنّ أصحاب المبنى سيعرضونه في المزاد، ما يعني أنّ شخصاً سيضع يده على «هوليدي إن» ليكون قرار ترميمه أو هدمه بيده وحده. وإذ نأمل من المالك الجديد ترميم المبنى عبر مقاربة تحافظ على الذاكرة الجماعية لبيروت، نتمنى أيضاً أن يقصد معرض قادر عطية في «مركز بيروت للفن» الذي يتخذ من مفهوم الترميم ركيزته (راجع المقال أعلاه).
في انتظار وضوح مصير الفندق، كان خيار «آفاق» بإجراء المؤتمر هنا إطاراً مناسباً للحديث عن الصورة التوثيقية، أمام مبنى يوثق للحرب الأهلية. بالتعاون مع «صندوق الأمير كلاوس» و«مؤسسة ماغنوم»، أعلنت «آفاق» عن برنامجها الذي أطلق في كانون الثاني (يناير) 2014. يدعم هذا البرنامج مشاريع التصوير الوثائقي في العالم العربي عبر تأمين منح للإنتاج، وورشتي عمل تقامان في بيروت والقاهرة، وبرنامج توجيهي للإشراف على مشاريع الفائزين.
خلال الدورة الأولى للبرنامج هذه السنة، تلقى المنظمون 84 طلباً من 16 بلداً. أما عدد الفائزين فكان 10 هم: أميرة الشريف (اليمن) وإيمان بدير (مصر) وفيصل الفوزان (الكويت) وحمادة الرسام (مصر) ومحمود النجمي (مصر) ونتالي نقاش (لبنان) وعمر إمام (سوريا) وريم فلكاناز (الامارات) وسمر حازبون (فلسطين) وزارا ساميري (المغرب). خلال المؤتمر، استعرضت اللجنة المشاريع الفائزة التي بدت واعدة تطال مواضيع مهمة منها نضال النساء في اليمن، التحرش في مصر، ظروف عيش العمال الأجانب في الكويت، اللاجئون السوريون في لبنان، قصص الفلسطينيات اللواتي يرغمن على الولادة على الحواجز الاسرائيلية...
عبر هذا البرنامج، يواصل صندوق «آفاق» توفير الدعم للفنانين العرب العاملين في الوسائط الفنية. علماً أن «آفاق» أطلقت أخيراً برنامج «تمويل المبادرة والإبداع في العالم العربي» الذي يدعو المستثمرين العرب إلى دعم صندوق «آفاق» كي تنتج 50 مشروعاً ثقافياً في العالم العربي.

علي شحرور: الجسد في مواجهة الأصوليات


بعد النجاح الذي شهده عرض «فاطمة» قبل أشهر، ها هو الكوريغراف والراقص اللبناني يعيد تقديمه غداً وبعده في «مسرح المدينة». مع رانيا الرافعي وأمامة حميدو، يبحث الثلاثي الذي ينتمي إلى جيل ما بعد الحرب الأهلية في حياة نساء التصق الألم بسيرهن. إنّه أيضاً حركة مقاومة للظلاميات المتنامية في العالم العربي.
يعيد الكوريغراف علي شحرور مساء الغد وبعده تقديم عرضه الأخير «فاطمة» مع رانيا الرافعي وأمامة حميدو على خشبة «مسرح المدينة» (30/12/2014 ). قدم العمل للمرة الأولى على الخشبة ذاتها في شهر كانون الثاني (يناير)، واليوم تعود الفاطمتان إلى الرقص فوق الركح بعدما امتلأت صالة «مسرح المدينة» بالجمهور خلال العروض السابقة. لذا، جاء عرض الغد وبعده تلبيةً لرغبة مَن لم تسنح له فرصة الاحتفال بجسد المرأة الفاطمية آنذاك.
امرأتان تستمدان من آلام نساء الأرض نبضاً لحركة جسدهما المتشح بالسواد على الخشبة. من مراسم العزاء واللطم إلى مراسم الفرح والرقص، يستعير الثلاثي (الكوريغراف والراقصتان) حركة جسد المرأة المتحرر من قيود المجتمع الشرقي المتحفظ. وإذا كنا قد أشرنا سابقاً إلى أهمية تطور كوريغرافيا علي شحرور التي غاصت في بحث أنضج حول حركة الجسد المشرقي، وهو اليوم يحضّر لعرض جديد بعنوان «عتب» يتمحور حول مراسم الاحتفال بالشهادة، فإننا اليوم سوف نتوقف عند نوع الطرح الفنّي ضمن السياق الاجتماعي.
لا يخفى على أحد أنّ عدداً من الجمهور توجه إلى «مسرح المدينة» يوم العرض الأول لـ«فاطمة»، منتظراً أن يشاهد عرضاً عن فاطمة الزهراء ابنة الرسول وزوجة الإمام علي، وما لذلك الاسم من وقع في الثقافة الإسلامية. وبالفعل، لم يعمد شحرور إلى تضليل الناس. اختيار عنوان العرض ولد من الأبحاث التي أجراها الثلاثي حول أشهر النساء في التاريخ اللواتي لازم الألم سيرهن. وإذا كان البحث قد شمل نساء أخريات مثل ميديا وأنتيغونا وإلكترا، وصولاً إلى أم كلثوم، واستُلهمت المواقف والأحاسيس من سيرهن، إلا أنّ الخيار وقع على اسم «فاطمة». وإذ يبدو ذلك الخيار بديهياً نسبة إلى لغة الجسد الشرقية في العرض، ما يحول أمام إطلاق اسم إغريقي على أولئك النساء، إلا أن في ذلك الخيار ما هو أبعد من ذلك.
الفاطمتان على المسرح تنطلقان من اللطم: حركة مستقاة من المراسم الشعبية/ الدينية في العزاء والتعبير عن الحزن، إلى الرقص البلدي على أغنية «ألف ليلة وليلة» لأم كلثوم (ألحان عبد الوهاب)، ثم العودة إلى الموت والعزاء في المشهد الأخير، مع اختتام العرض بـ «الفاتحة». ببساطة، يمكننا أن ندعي أنّ اسم فاطمة شائع في العالم العربي، ولا يمت بصلة لأي شخصية دينية، وكلمة «الفاتحة» لا يمكن حصرها بسورة الفاتحة في القرآن، بل قد تكون فاتحة لقراءة ما بعد العرض. لكن ذلك التبسيط يفقد الكثير من الطرح السياسي/ الاجتماعي الذي يحمله العرض. لجوء الثلاثي إلى اعتماد مراجع دينية إسلامية في العرض ضمن ما نعيشه اليوم في العالم العربي من صعود للحركات الأصولية والتكفيرية، يمكن قراءته كمقاربة مغايرة لا بل مقاومة لمفهوم جسد المرأة وحركتها في المجتمع المشرقي والإسلامي.
نعم فاطماتنا تندبان وتلطمان، لكنهما أيضاً ترقصان وتفرحان. نعم فاطمتانا تكشفان عن رأسيهما وتسدلان شعريهما وتقفان على المسرح في العلن أمام الجمهور. حينما خلعت الممثلة حنان الحاج علي حجابها في مسرحية روجيه عساف «جنينة الصنائع» (١٩٩٧) وظهر حجاب آخر تحت حجابها، كان ذلك فعلاً سياسياً يؤكد ترسخ الخيار الديني والسياسي في ارتداء الحجاب. أما اليوم، فأن تلطم فاطمة وترقص على المسرح، ففي ذلك أيضاً موقف سياسي واجتماعي من موقع جسد المرأة المسلمة في مجتمعاتنا. علي شحرور ورانيا الرافعي وأمامة حميدو ينتمون إلى جيل ما بعد الحرب الأهلية الطائفية. هم يعيشون اليوم وسط نمو التطرف الديني في مختلف العالم العربي. وإذا كنا في لبنان، أو لنقل على الأقل في بيروت نتغنّى بانفتاحنا، إلا أنّ المسرح اللبناني يتفادى حتى اليوم النقد الديني، وجزء كبير منه يعود إلى دور رقابة الأمن العام المسبقة على الأعمال الفنيّة، وتدخّل السلطات الدينية في دور الرقابة وفرض المحظور. لحسن الحظّ ألا رقابة حتى اليوم على أعمال الرقص في لبنان، فالرقابة المسبقة تجرى على النصوص و«لا نصّ» في عروض الرقص، إلا أنّ «فاطمة» تفلّتت من مقص الرقيب ورقصت على الخشبة. هل في ذلك مسّ بالمعتقدات الدينيّة؟ طبعاً لا، بل هناك مسّ في احتكار الديانات لأجسادنا، وتقديم أجساد حرّة على المسرح. علماً أنّ حركات الراقصتين على المسرح مستوحاة من الحركة الطبيعية لأجساد النساء في مجتمعاتنا المتزمتة أم المتحررة منها، لكنها تمثل اليوم على الخشبة إعلاناً لحرية جسد المرأة في مواجهة الأصوليات الكثيرة.
عن مشروعه الجديد
يتابع علي شحرور (1989) بحثه عن حركة الجسد في مراسم العزاء. بعد الانتهاء من عرض «فاطمة» في «مسرح المدينة»، يبدأ العمل على عرضه الجديد «عتب» (مؤقت) حول الشهادة. مرّة جديدة يختار الكوريغراف الشاب أن يبحث داخل إطار حركة الجسد المشرقي، متخلياً عن مدارس الرقص المعاصر الغربية. مؤدو العرض الجديد هم نساء ورجال من ضاحية بيروت الجنوبية، ومن القرى اللبنانية الجنوبية، ممن امتهنوا مهنة الندب في الجنازات والغزوات. تقاليد غنيّة جداً بطقوسيتها ومفرداتها اللغوية والجسدية، يعيد شحرور إحياءها في عرضه الجديد مع ندّابين سابقين سيغنون ويرقصون على المسرح. وعن اختيار موضوع الشهادة، يقول علي شحرور لـ«الأخبار»: «إن تمازج طقوس الفرح والحزن في رثاء الشهداء، واضمحلال الحدود بين تلك المشاعر النقيضة أثار اهتمامي». ما علينا سوى الانتظار حتى أواخر شباط (فبراير) ٢٠١٥ لمشاهدة العرض.
* «فاطمة»: 20:30 مساء الغد وبعده ـ «مسرح المدينة» (الحمرا) ـ للاستعلام: 01/341470

Apocalypse من بيروت إلى دمشق



الملك كازيمودو - فادي اليازجي
روي أنّه سمع صوتاً أخيراً يصرخ في شوارع بيروت محذراً من كارثة ستحل بالمدينة. زعم ذلك الصوت أنّه في ليلة سوداء، سيخرج إلى شوارع بيروت «الملك كازيمودو» (فادي اليازجي) بجسده الثقيل ورأسه الضخم ليخطو فوق المدينة مدمراً كل ما أعاد اللبنانيون بناءه بعد الحرب الأهلية، مالئاً الشوارع ببراز أسود تفوح منه رائحة تتخطى بنتانتها عنصرية اللبنانيين وكراهيتهم المتفشية داخل منازلهم وشوارعهم، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.
سيتوجه الملك إلى صخرة الروشة. على ظهرها، سينادي الأمواج كي تغمر المدينة، فيهتاج البحر وتتلبد السماء كما في لوحات مايكل بيبرستاين. وستنقضّ الأمواج على اليابسة، فتقضي على معالم المدينة.

ثم قال إنّه في تلك الليلة، ستمطر السماء مواد جمرية كتلك التي أمطرها الله على سدوم وعامورة، فتتحول مياه الأنهر إلى مادة غليترية كما في لوحات جون أرمليدر. وستحتبس النباتات في مادة فضيّة (نديم أصفر)، ويتجمد بعض البشر في لوحات قاتمة تكاد تخفي ملامحهم لولا ظلال الأسود الخفية (جيلبير الحاج)، ويتكدسّ الآخرون في علب مربّعة صغيرة على جدارية كبيرة (جان مارك نحاس) ستلف المدينة في سور ضخم يمنع عنها الهواء والضوء. وفي قلب بيروت على أنقاض سوليدير، لن يبقى صامداً ومرتفعاً سوى رجل واحد مسمّر فوق الصليب، ولن يسمع غير صراخه «لن أترك الحصان وحيداً بعد الآن»، وعند رجليه حمار أسود يدور بين الأطلال ويقتات رؤوساً مقطّعة ومرمية في زوايا الشوارع.

لكن يروى أيضاً أنّ الجمع الذي سمع نبوءة ذلك الصوت، اغتاظ غيظاً شديداً، فانهال عليه بالضرب والشتيمة، ثم سحلوه في شوارع المدينة، وقتلوه ورموا جثته المنكّلة في البحر، حيث يقال إنّ مار جرجس قتل يوماً التنين. وقبل أن يلفظ أنفاسه، نطق الصوت بنبوءة أخيرة عن مدينة مجاورة تدعى دمشق. 
أعلمَ الجمع أن تلك المدينة اكتسبت اسمها من الجريمة الأولى للإنسانية، حين قتل قايين أخاه هابيل، فسال دمه وشقّ الأرض، فدعيت «دم شقّ». ستستفيق يوماً على ريشة يوسف عبدلكي ترسم فوق «الصحن» الذي يأكلون منه خطوطاً حمر عشوائية. ستستجمع الأرض الدماء التي شربتها منذ الجريمة الأولى حتى اليوم وستقذفه إلى السطح. وسيغمر فيضان الدماء شوارع الشام، فيضان لم تشهده البشرية منذ أيام نوح. وذلك سوف يكون في اليوم الأسود التاسع. لكن في انتظار تحقق النبوءة، إنّها علامات ستظهر في لوحات وصور في معارض فنيّة هنا وهناك.


«تسعة ظلال سوداء»: حتى ١٤ حزيران (يونيو) ـ «غاليري تانيت» (مار مخايل) ــ 76/557662




الصحن - يوسف عبدلكي




دارين حطيط | بيروت ٢٠٥٠


في بيروت عام ٢٠٥٠، أمّ تفقد ابنها لتجد نفسها أمام فرصة إعادة إحيائه ووهبه حياةً خالدةً من خلال التكنولوجيا التي تعزّز عمر الإنسان، فهل تفعل ذلك؟ تلك هي المعضلة التي تطرحها دارين حطيط في فيلم خيال علمي قصير بعنوان ORB. ولتنفيذ الفيلم، قرّرت المخرجة والكاتبة اللبنانية اللجوء إلى «ذومال» منصة التمويل الجماعي في العالم العربي.
حطيط المقيمة بين نيويورك وبيروت وحاصلة على جوائز من مهرجانات دولية عدة، تهتم في أعمالها بمواضيع المستقبل والإنسان والتقدم التكنولوجي، خصوصاً عالم الروبوتيكس والذكاء الاصطناعي. ومن هنا أتت فكرة فيلمها ORB. تقول لـ«الأخبار» إنّها تتابع حالياً دراسات تحاول تطوير آليات لحفظ خلايا عقل الإنسان بعد مماته، ما يصب في تجسيد فكرة الخلود والحياة السرمدية. تلك الدراسات أثارت اهتمام المخرجة، وانطلقت منها لتكتب فيلماً قصيراً يجري في بيروت عام 2050 حيث تطورت التكنولوجيا في مسار يستطيع إعادة الحياة إلى الإنسان بعد مماته، عبر إعادة إحياء خلاياه. لم تختر المخرجة معضلة الموت في بيروت بالمصادفة. إنه خيار نابع من السياق الذي نعيش فيه.
غياب أفلام الخيال العلمي في السينما العربية، قد يعزى إلى نقص التقنيات والإنتاجات الضخمة. لكن ذلك الحكم الشائع خاطئ في فهمه لخصوبة سينما الخيال العلمي التي تشمل الأفلام الضخمة كما تلك الإنتاجات الصغيرة، وكلٌ بحسب السيناريو المطروح. من هنا نستغرب نقص الإنتاجات العربية في ذلك النوع الذي لا يقتصر على الإبهار التقني فحسب، بل بإمكانه أن يكون سياسياً وإنسانياً في حبكته البسيطة تقنياً.

علماً أن العرب كانوا من أوائل مَن قدّم أدب الخيال العلمي مع ابن النفيس، والقزويني... ربما يكون اليوم الخيال العلمي أحوج الأنواع اليوم لمقاربة الأسئلة التي تواجه العالم العربي. ذلك الاهتمام بالخيال العلمي العربي، تناولته أخيراً مجموعة «٩٨ أسبوع» في محاضرة «كيف نكون في المستقبل» ضمن منتدى «أشغال داخلية»، فيما يعمل فادي باقي (الفدز) على فيلم تحريك خيال علمي طويل. وفي عددها الأخير، خصصت مجلة The Outpsot اللبنانية قسماً لذلك النوع في العالم العربي، حيث تقول الصحافية آمال المهتار «أن تعلن أنك، وشكلك، ولونك، و... ستكون موجوداً في المستقبل هو أن تعلن أن لديك الحق في الوجود اليوم». لذلك تتحدث حطيط عن المواجهة مع الموت في بيروت المستقبل، ولذلك علينا دعمها لتنفيذ الفيلم، لأننا بذلك ندعم المبادرات الخلاقة الفردية، ونسهم في مساءلة أيّ حاضر ومستقبل نريد.

لدعم الفيلم إنقر هنا :