كارول عبود... «خطوات» العزلة والخوف


كارول عبود في العرض (مروان بوحيدر)
في تجربته الإخراجية الأولى، ذهب يوسف الكبرا إلى أحد أواخر نصوص المعلّم الايرلندي. عمل مينمالي تؤدي الممثلة اللبنانية بطولته على خشبة «دوار الشمس» حيث شبح الأم يحوم في الجوار.
اختار المخرج الفلسطيني المولود في سوريا يوسف الكبرا (١٩٨٥) العمل على نصّ «خطوات» لصموئيل بيكيت، لتقديمه على خشبة «مسرح دوّار الشمس» بالعربية الفصحى مع الممثلة اللبنانية كارول عبّود. «خطوات» مسرحية قصيرة (٣٠ د) تقدم شخصية الأربعينية ماي التي تعيش مع والدتها العجوز والمريضة. لا تعرف ماي شيئاً عن الخارج. أنجبتها أمّها في سنّ متأخرة، وأمضت حياتها تساعد أمّها في عجزها وترعاها. ضمن عزلتها، تعيش ماي في التكرار والاجترار الذي يتجسّد على المسرح في الحركة التي تقطعها ذهاباً وإياباً في أروقة من الضوء، وفي حوار دائم مع والدتها.
كتب بيكيت نصّ «خطوات» عام ١٩٧٥، وقدّمه في مسرح «رويال كورت» في لندن عام ١٩٧٦. إنها من مسرحياته المينيماليّة الأخيرة التي اعتمدت على الشخصيات النسائية، وتجاربها في الحياة، بدلاً من الرجال الذين احتلّوا معظم أعماله الأولى. يشير بعض النقاد إلى أنّ شخصيّة ماي قد تعود إلى والدة بيكيت.
أثار اهتمام الكبرا التشابه الكبير بين حال الشخصية الرئيسية ماي وحالتنا اليوم، وما يلفّها من عزلة وخوف من الاتصال مع الخارج. يقول لـ «الأخبار» إنّه لم يشأ أن يقدّم إخراجاً معاصراً لنص بيكيت، بل أراد المحافظة على تركيبته للعرض، تاركاً للجمهور البيروتي التفاعل مع «خطوات». فعلاً، إذا قارنا العرض الذي أخرجه بيكيت عام ١٩٧٦ والمتوافر على يوتيوب، فإنّ عمل يوسف الكبرا اليوم عام ٢٠١٤، يبدو استعادة حرفيّة لعرض بيكيت، بل كأنه عرض من إخراج بيكيت وتنفيذ الكبرا. إلاّ أن الأخير أجرى تعديلات قد تبدو بسيطة لكن جوهريّة، تصبّ في المنحى الدراماتورجي للعرض في مقاربة النص أكثر من الإخراج العام وإدارة الممثل. تعديلات لا بدّ من التوقف مليّاً عندها، لأنّها تطرح أسئلة كثيرة.
عندما كتب بيكيت «خطوات» وأخرجها، طلب من بيلي وايتلو تأدية دور «ماي» على الخشبة، ومن روز هيل تأدية صوت الأم العجوز من دون أن تظهر على المسرح. أما الكبرا، فاختار أن تلعب كارول عبّود دور «ماي» على المسرح، وسجّل صوت الأم العجوز بصوت عبود أيضاً، فتحول النص من حوار إلى ما يشبه المونولوج الذي تؤديه ممثلة واحدة بصوتين.
لا جدل في أن بيكيت أراد أن يوحي أنّ ماي ووالدتها قد تكونان شخصاً واحداً، أو أن لا وجود فعلياً للأم، بل هي صوت في رأس ماي. لذلك، وضعها وسط مسرح كبير وفارغ، وتركها تخطو خطوات ثقيلة ضمن «كوريدور» ضوئي لا ينير سوى جسدها وفستانها الذي تجرّه وراءها. خيار التزم به الكبرا. لكن بيكيت اختار لصوت الأم ممثلة أخرى يسمعها الجمهور ويشعر بوجودها في إحدى زوايا ظلمة المسرح الشاسعة. عندما سألت الممثلة بيلي وايتلو بيكيت إن كانت الشخصيّة ماي متوفيّة، أجابها: «دعينا نقول فقط إنك لست بأسرك هناك». تلك الإجابة تختصر مسرحيّة «خطوات». العرض قائم على عجز الجمهور عن تحديد ما إذا كانت ماي ووالدتها موجودتين فعلاً أم لا. تلك هي حالة العزلة والتقوقع التي لم ينقطع فيها حبل السرّة بين الابنة ووالدتها. ما من حتميّة هنا، لا بل واقع بيكيتي بامتياز.
أما الكبرا، فلغى وجود الأم الجسدي على المسرح وحوّلها إلى مكبّر للصوت. لا نراها لكن نسمعها، فلا ندري إن كانت فعلاً موجودة أم لا. وعبر مزج صوت الأم وصوت الابنة، حتّم الكبرا علينا قراءة العرض من باب أنهما شخصيّة واحدة، فألغى المساحة الدرامية التي تمتزج فيها الشخصيتان وتنفصلان في ذهن المشاهد. المساحة التي تغذي الشكّ بأن أياً من الشخصيتين موجود أو غير موجود. ألا يضرب هذا التعديل الدراماتورجي جوهر المسرحيّة؟
كما أن بعض النصوص كتبها بيكيت على أنها حوارات، ثم تلقيها إحدى الشخصيات بصيغة المونولوج. والمقصود منها الإيحاء بأن ماي تألف كل ما تقوله الآن في لحظة نطقها له، فتصبح جميع الحوارات متخيّلة، إذ إنه لم يعد لها من رفيق في عزلتها سوى الكلمات. لكن عندما تتحول تلك النصوص في عرض الكبرا إلى حوارات فعليّة بين الوالدة والأم، ويضاف إليها صوت طفلة صغيرة مسجلّ، ألا تعيد هذه المقاربة تلك النصوص إلى مثيلاتها من الحوارات الأخرى في النص، فتفقد معناها وامتدادها إلى أبعاد أخرى في العزلة التي تعيشها ماي؟
أما خيار إلغاء المشهد الرابع من العرض، فغير مبرر، خصوصاً أن الكبرا أصرّ على تقديم العرض في «كوريدورات» الضوء ذاتها التي اقترحها بيكيت. في النص الأصلي، اختار المعلّم الايرلندي مشهداً رابعاً وأخيراً حيث يظهر كوريدور الضوء ذاته فارغاً من ماي للحظات ثم ينطفئ. نهاية كتبها بيكيت نصاً لا يحمل كلمات، لكنه في فراغه جزء من تركيبة العرض ونهايته، وهو مفقود في عرض الكبرا.
في تجربته الإخراجية الأولى، اختار يوسف الكبرا مغامرة صعبة مع نصّ مينيمالي لبيكيت. أراد الابتعاد عن زجّ النصّ في سياقات ورؤى إخراجية معاصرة، لكن بالتعديلات التي أجراها، أفقده عناصر أساسيّة.
امرأة خارج الزمن
تقول كارول عبوّد لـ «الأخبار» إنّ «خطوات» عرض صعب. رغم ما يوحي به من بساطة شديدة، حتى نخال أنه أشبه بتمرين تمثيليّ، إلّا أنه شديد التعقيد، لا بل إنه من النصوص التي يجب العمل عليها لمدّة طويلة جداً لإتقان تأديتها. مدّة غير متاحة ضمن سياق الإنتاج المسرحي العربيّ. غير أنّ عبّود استطاعت أن تجسد الصورة التي طلبها بيكيت من الممثلة بيلي وايتل: إنّها صورة امرأة خارج الزمن.
* «خطوات»: 20:30 مساءً حتى 9 أيلول (سبتمبر) ــ «مسرح دوار الشمس» (الطيونة ـ بيروت) ـ للاستعلام: 03/692592

نشر في جريدة الأخبار 

مزيارة الشمالية مملكة الفن المعاصر


مبادرة هي الأولى من نوعها في لبنان ويجب البناء عليها. بتنظيم من جمعية TAP، دعت المنسقة أماندا أبي خليل والتشكيلي سهيل سليمان سبعة فنانين حول العالم للإقامة في ربوع البلدة لإنجاز أعمالهم ومشاريعهم التي تعرض في نهاية الشهر الحالي.
مجلس بلدي يقرّر دعم الأنشطة الثقافية في بلدته، فيموّل مشروعاً ثقافياً، لا بل إقامة لفنانين لبنانيين وأجانب لمدة شهر في الفندق الوحيد في القرية، بالإضافة إلى ميزانية لإنتاج الأعمال، ثمّ يقدم لهم جميع التسهيلات اللوجيستية والخدماتية لتنفيذ مشاريعهم، ولا يتوانى عن تخصيص الوقت للقائهم ضمن اجتماعات متكررة للاستماع إلى تطلعاتهم، ومحاولة تذليل العقبات أمام تنفيذ رغباتهم. تلك ليست أمنية، ولا قصة خيالية، بل واقع يحدث اليوم بعيداً من بيروت، ومن إحتكارها للحياة الثقافية. إنها إقامة فنية دولية في بلدة مزيارة (قضاء زغرتا ـ شمال لبنان)، بتنظيم من جمعية «منصة فنيّة مؤقتة» (TAP) برعاية وتمويل بلدية مزيارة التي يترأسها مارون دينا. في أيار (مايو) الماضي، أطلقت TAP دعوة مفتوحة للمشاركة في إقامة فنية في مزيارة. الدعوة التي كانت موجهة إلى فنانين وكتاب ومهندسين ومصممين ومخططين مدنيين تجاوب معها حوالى ٥٠ فرداً حول العالم، فاختارت اللجنة ٧ منهم: فيكرام ديفيشا (الهند)، أكسيل مونييه (فرنسا)، باتريسيا بركات (لبنان/ بلجيكا)، لورا يويلي (بريطانيا)، «ميتاسيتو» المؤلفة من ليفا دوداريفا (لاتافيا) وإدواردو كاسينا (إسبانيا)، وأندريا غارزا (المكسيك).
منذ الثاني من آب (أغسطس)، وصل المشاركون إلى مزيارة لتمتد الإقامة حتى ٣١ آب (أغسطس). ولدت فكرة المشروع حين زارت مؤسِّسة TAP المنسقة الفنية أماندا أبي خليل للمرة الأولى مزيارة لتفقدها برفقة ابن مزيارة التشكيلي ومنسّق الإقامة سهيل سليمان. الزيارة شملت يومها ما يعرف بالمنطقة الصناعية في البلدة. مجمّع صناعي يقع في غابة السنديان المحيطة بالقرية، ويضمّ معملاً لتصنيع الخفّان وإنتاج حجارة البناء، ومزارع دجاج. لفتت تلك المنطقة اهتمام أماندا وسهيل، وتلاقى اهتمامهما مع خطة للبلدية تهدف إلى نقل موقع المجمع الصناعي إلى منطقة أخرى لتجنب آثار التلوث على البيئة الحرجية. لكن تلك الاهتمامات المشتركة لم تتوقف هنا، بل أسفرت عن بلورة أماندا وسهيل لمشروع الإقامة الفنية الذي يهدف إلى جلب فنانين حول العالم لتطوير أعمال حول ذلك الموقع والإشكالية التي يطرحها، والأهم أنّ بلديّة مزيارة قررت تمويل البرنامج ودعمه.

خطوة البلدية في دعم الإقامة الفنية في قريتها، ليست مثيرة للاهتمام فحسب، بل تعتبر مثالاً على باقي البلديات الاحتذاء به، خصوصاً أنّ رئيس البلدية مارون دينا لا يرى في تلك الخطوة جزءاً من نشاطات البلدية فحسب، بل حاجة لمقاربة المعضلة البيئية من زوايا مختلفة. هكذا يجد في المقاربة الفنية التي سيطرحها الفنانون في نهاية البرنامج سبيلاً للتفكير والتفاعل مع الحاضر، وخطوة نحو البحث المستقبلي في كيفية تحويل واستخدام تلك المساحة بعد إخلائها من المعامل الصناعية. طبعاً، فمشروع مماثل كان بحاجة لدعم من البلدية كي ينفذ، لكن لما ولد لولا اهتمام TAP بتنظيم مشاريع فنيّة ذات صلة بالحيز العام، وحرص أماندا أبي خليلو سهيل سليمان على تفعيل الحياة الثقافية خارج مركزية بيروت.
خلال الإقامة وفي موازاة عمل كل من الفنانين على تطوير مشروعه الخاص، جرت استضافة علي شرّي، وشذى شرف الدين، وباسم منصور، وغريغوري بوشاكجيان لتقديم محاضرات. وأدارت الراقصة يلدا يونس ورشة يوغا لثلاثة أيام، فيما دُعي عمر فاخوري، وباسكال هاشم ورنا حداد للعمل على منشآت فنيّة خاصة نُفّت وعُرضت في المساحات العامة في بلدة مزيارة.
أما الفنانون المشاركون، فغارقون في أبحاثهم وتطوير مشاريعهم. منهم من أمضى أياماً في جمع الروايات التي يتناقلها أهل القرية عن قصة نشوء الغابة التي يعتقد المزياريون أنّ نساء القريّة زرعنها منذ عشرات السنين. ويعمل هؤلاء الآن على تحويل تلك المواد إلى أعمال فيديو أو صوت وعروض حية. على الضفة الأخرى، اهتّم فنان آخر بالهندسة المعمارية الخاصة بالبلدة: بيت على شكل طائرة، وآخر على شكل هرم، أو قلعة بعلبك، أو قصر روماني. فيما يعمل فنانان آخران على اقتراح قرية مزيارة كضاحية لمدينة غير مرئيّة، مدينة ذات وسط موزّع بين لاغوس وساو باولو وسائر المدن التي هاجر إليها المزياريون. بالإضافة إلى مشاريع عدّة تتطور حول المنطقة الصناعية وأثرها في البيئة المحيطة بها. وإن كان لا مجال للخوض في تفاصيل كل المشاريع، إلا أنّه خلال زيارتنا للفنانين ومناقشتنا مشاريعهم، لفتنا تعمقّ هؤلاء في النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والمكون لقريّة مزيارة، ومدى ارتباط مشاريعهم واقتراحاتهم أكان في تفاصيلها أم عبر طرحها العام بإشكاليات وأسئلة ملحة تعني البلدة، رغم قصر المدّة التي يمضونها هناك.
وتختتم الإقامة في مزيارة في ٢٨ آب (أغسطس) عبر حدث عام يقدم المشاريع التي نفّذها الفنانون خلال الإقامة. العروض تنطلق عند الساعة السادسة مساءً مع مشوار في الغابة برفقة الفنانة اللبنانية باتريسيا بركات، ثم يتوالى عرض مشاريع جميع الفنانين بين المنطقة الصناعية والقرية. ويختتم الحدث بعرض موسيقي يقدمه رائد ياسين، ثم ينطلق الجميع إلى فندق مزيارة للاحتفال مع الفنانين بنهاية الإقامة. للراغبين في التوجه إلى مزيارة نهار الخميس من بيروت، احجزوا أماكنكم منذ الآن في الباص الذي سينطلق عند الساعة الثالثة من منطقة السوديكو.



----
إقامة فنيّة دولية في مزيارة من تنظيم «منصة فنيّة مؤقتة» (TAP): لحجز الأماكن في الباص المتوجه من السوديكو إلى مزيارة نهار الخميس المقبل، الاتصال: 
03 - 289715

البندقية: خالد ملص منقّباً عن سوريا في السماء



للمرة الأولى، يمثّل الفنان الشاب سوريا بشكل غير رسمي في «معرض العمارة الدولي الرابع عشر» التابع لـ «بينالي البندقية». يقدّم مشروعاً ملفتاً ومفاجئاً بعنوان «تنقيب السماء»، باحثاً في مفاهيم الهيمنة والقمع والحداثة، ومسائلاً دور المعماري في أتون الحرب والدمار.

يوم الثلاثاء الماضي، افتتح المعماري السوري خالد ملص مشروعاً بحثياً عن سوريا يحمل عنوان «تنقيب السماء» في قسم المونديتاليا ضمن «معرض العمارة الدولي الرابع عشر» لـ «بينالي البندقية». لبّى ملص دعوة مدير البينالي المعماري ريم كولهاس لتصميم وتقديم «جناح سوريا» (غير الرسمي) الموقت في الترسانة القديمة (أرسينالي)، تفاعلاً مع تيمة البينالي «استيعاب الحداثة ١٩١٤ ـ ٢٠١٤». هنا وجد ملص نفسه أمام تحديات وأسئلة كبرى: كيف يمثّل سوريا في أشهر بينالي للعمارة؟ كيف يتفاعل مع عصر الحداثة وإنتاجاته المؤثرة بشكل مباشر في الوضع في سوريا اليوم؟ وما الفائدة من تصميم جناح موقت لسوريا؟ تلك الأسئلة قادت المعماري الشاب إلى تقديم مشروع يتحدى فيه البينالي، والحداثة والحرب.
التقينا ملص في بيروت حيث كان منهمكاً بالتحضيرات الأخيرة قبل مغادرته إلى البندقية. يوضح لـ «الأخبار» نقطة انطلاق المشروع: «في ظل ما تمرّ به سوريا اليوم، كان من غير الوارد أن أجمع وأصرف المال والطاقة لتصميم وتنفيذ مشروع موقت عن سوريا في البندقيّة، لذلك اخترت أن أقدم جناحاً نازحاً إلى سوريا كناية عن بئر». يطلق خالد على تلك الخطوة صفة «مبادرة معماريّة تآمريّة». هكذا سخّر التمويل والدعاية المرتبطين بالبينالي لبناء بئر في إحدى القرى السورية بدعم من «مؤسسة بارجيل للفنون» و«مؤسسة كياني»، واكتفى بعرض رسومات عن المشروع وتنظيم ورش عمل ومحاضرات وعروض أفلام في البندقية بالتعاون مع «الهيئة العامة للدفاع المدني» (حركة مؤلفة من ناشطين شباب تعنى بتنظيم مبادرات متعددة لتحسين ظروف العيش في سوريا). عبر التمويل المتوافر للبينالي، بنى ملص بئراً في قرية سورية تعرضت لقصف عنيف من قبل النظام السوري، ما أدى إلى تدمير المصدر الأساسي للمياه وبنيته التحتية. مع حفر البئر في حزيران (يونيو) ٢٠١٤، تمّ توفير مياه الشرب لـ 15 ألف نسمة، واليوم يجرى العمل على حفر بئر في منطقة أخرى.




ليس هناك داعٍ للخوض في الأهمية الجلية لمشروع البئر، أكان من الناحية العملية أم الإنسانية. لكن لنتوقف قليلاً عند أبعاد المشروع الأخرى. عبر تحويل الجناح من جناح موقت إلى جناح نازح، يوجّه ملص نقداً مباشراً لمعارض العمارة الدولية، فهي تصرف مبالغ طائلة كي تستعرض البلدان الكبرى عضلاتها المعمارية عبر تصاميم ستهدم بعد انتهاء البينالي. تصاميم وأجنحة تعيد تكريس ــ عبر ضخامتها وميزانياتها ــ قوة السلطة التي تقف وراءها. أما ملص، فلا سلطة يمثلها، بل على العكس قرر إعادة مبدأ العمارة إلى هدفه الأصلي، أي عملانيته في موقع محدد (سوريا) وفي خدمة البشر الذين يستخدمونه، وتركَ لجناح البينالي عنصريّ العرض والفرجة عبر الرسومات. من جهة أخرى، أعاد الفنان مساءلة دور المعماري خلال الحروب. يقول ملص لـ «الأخبار»: «كمعماري، لست قادراً اليوم وسط الحرب والهدم على المساهمة في تصميم وبناء عمارات جديدة في سوريا، لكن أستطيع أن أؤمن التمويل لحفر البئر وتقديم النصح البسيطة، وترك التصميم والتنفيذ للمواطن/ المعمار». أما بالنسبة إلى التفاعل مع تيمة البينالي «استيعاب الحداثة ١٩١٤ ـ ٢٠١٤»، فاختار ملص التنقيب في السماء... تلك المساحة التي أثبتت الحداثة عبر تطويرها للطائرات أنّ مَن يسيطر عليها، يسيطر على الأرض. واختار ملص التوقف عند أربع محطات في تاريخ سماء سوريا: الطائرات الأولى التي اخترقت السماء السورية عام 1914، والقصف الفرنسي الجوي لدمشق عام 1925، والرحلة الفضائية للمقدم محمد فارس عام 1987، وقصة برميل قُذف من طائرة مروحية وسقط في مرحاض عام 2014.

في الكتيب الذي أنتجه ملص بالاشتراك مع الفنانة اللبنانية جنى طرابلسي وقدّمه مع المشروع، يتوقف المعماري عند تلك المراحل الأربع والنكسات والمآسي التي رافقتها. وإذا لم يكن هناك من مجال للخوض فيها هنا، إلاّ أن العلاقة بين البرميل والبئر والحداثة تبقى الأهم. خلال الحرب الحالية في سوريا، لجأ النظام إلى سلاح أبعد ما يكون عن الحداثة. سلاح يعرف بـ «البرميل». إنها عبارة عن حاويات نفطيّة يملأها الجيش السوري بالمتفجرات، ويضيف إليها نسرات معدنيّة ومواد حارقة، ثم يحلّق بها في طائرات مروحية ويرميها عبر ركلة برجله من السماء، فتسقط على الأرض وتحدث انفجاراً مريعاً. عبر تلك التقنية البدائية، وبعكس الأسلحة المتطورة الحالية، ليس هناك إمكانيّة لتحديد الهدف. إنها براميل عشوائية تحصد ضحايا عشوائية. وإذا كان ممكناً اختصار الحداثة في فعل تطوير الإنسان لمقدرته في السيطرة المتقنة على العمودية الممتدة من سطح الأرض إلى السماء، والعكس صحيح، فإنّ ملص اختار في وجه عموديّة الموت البدائية والعشوائية التي اختارها النظام السوري، عموديّة البئر البدائيّة أيضاً، لكنها على العكس تنطلق من سطح الأرض إلى قعرها. وبدلاً من أن تكون مصدراً للموت، فإنّها أصبحت مصدراً للحياة عبر تأمين المياه.

لا شك في أنّ خالد ملص قدّم خير تمثيل لسوريا في معرض العمارة الإيطالي. من العبثي أن يكون هناك اليوم جناح لسوريا غير «جناح نازح»، وموقعه ليس في البندقية، بل في قلب الأراضي السورية «كي نضيء على أمل كليّ الوجود وسط حطام التجربة الحداثوية». كان عبثياً التفاخر بأثر الحداثة على العمارة السورية، فيما الحاجة اليوم هي لبئر تروي سكان الأرض المحروقة. خالد ملص في أعرق معرض للعمارة، ساءل دور العمارة اليوم في سوريا والعالم، وأعاد إحياء عبارة سعد الله ونوس الشهيرة: «محكومون بالأمل».

«تنقيب السماء»: حتى يوم غد ـــ «معرض العمارة الدولي الرابع عشر» لـ «بينالي البندقية» ـ


عروض سينمائية ومناقشات
في موازاة المشروع البحثي المقدم في «بينالي البندقيّة»، والبئر الثانية قيد الحفر، نظّم خالد ملص في البينالي عرض أفلام وطاولات نقاش. بعد ليلة الافتتاح، قدم عرضاً لفيلم «طوفان في بلاد البعث» للسينمائي الراحل عمر أميرلاي. وفي اليوم الثاني دارت مناقشة حول سوريا، شارك فيها جوش ليونز المتخصص في تحليل الصور الملتقطة من الأقمار الاصطناعيّة، وزيدون الزعبي عضو «الهيئة العامة للدفاع المدني» التي عملت على تنفيذ مشروع البئر، والكاتب والمؤرخ اللبناني فواز طرابلسي. كما قدم عرضاً لفيلم «الليل» لمحمد ملص، و«خطوة خطوة» لأسامة محمد، وأخيراً الفيلم الجديد «الرقيب الخالد» للمخرج السوري الشاب زياد كلثوم.


شعراء الفايسبوك في ضيافة روبرتو قبرصلي



ظواهر الموقع الأزرق تشكّل مادّة دسمة في مشروع هشام جابر الجديد «قبرصلي بوك». فنان الـ«ستاند آب كوميدي» يعدنا بعرض ممتع طوال ساعتين، يسخر فيه من كل شيء.
روبرتو قبرصلي يعود من جديد إلى خشبة «مترو المدينة»، ليخدش الحياء الافتراضي العام. ساعتان من الـ«ستاند آب كوميدي» يؤديها هشام جابر منفرداً من خلال شخصيته الشهيرة روبرتو قبرصلي، أو بالأحرى عرض للثنائي روبرتو قبرصلي الحقيقي والافتراضي. روبرتو، تلك الشخصية التي اعتدناها جوكراً في عروض كباريهات «مترو المدينة»، وشخصية رئيسية في عروض سابقة في الـ«ستاند آب كوميدي» حول المونديال، وحول حملة إسقاط النظام الطائفي في لبنان وغيرها من المواضيع، تطلّ علينا اليوم من داخل العالم الافتراضي لتلقي نظرة ساخرة على المواد التي تغرق صفحاتنا الزرقاء ضمن عرض «قبرصلي بوك».
لن يفلت أحد من تعليقات قبرصلي الساخرة في هذا العرض، بدءاً بالمستجدات الاجتماعية السياسية الأخيرة من «داعش» والأنظمة العربيّة، وصولاً إلى الأحزاب السياسية اللبنانية وصفحاتها على فايسبوك. طبعاً لن يخلو ذلك من عودة إلى أول أيام ظهور الفايسبوك في لبنان، والروايات التي رافقت نشأته حتى اليوم، إلى جانب التوقف عند نماذج اجتماعيّة عدة طورت أسلوباً خاصاً في ترجمة حضورها الافتراضي على فايسبوك أهمّها: جمعيات المجتمع المدني، والممانعون، ومن هم ضد الممانعين، ومؤيدو الثورات، والعروبيون، والشعراء الافتراضيون... شعوب ـ بحسب قبرصلي ـ نمت وتربّت على الشعر العربي العاشق والممجد للغياب «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل»، فوجدت في العالم الافتراضي ضالتها.
من يتابع هشام جابر عبر حسابه الخاص على فايسبوك، يدرك جيداً علاقته بالموقع الأزرق. مساحة سخرّها للإعلان عن أنشطة «مترو المدينة»، وبعض الصور والتعليقات الشخصية، لكن ما يبقى الأكثر تدفّقاً هو تلك السلسلة التي بدأ بكتابتها أخيراً تحت عنوان «دعاء ـــ حديث صحيح». يقدّم من خلالها دعاءً جديداً ينتقد فيه، بخفّة وذكاء، تفصيلاً سياسياً أو اجتماعياً: «دعاء المذيعة: انشالله كون طالعة sexy وبريئة بنفس الوقت. حديث صحيح». أما اليوم، فقد ولدت سلسلة جديدة تحت عنوان «شوفور من بلادي». هنا، يقدم صورة التقطها لأحد سائقي سيارات الأجرة أثناء تنقلاته معهم، مزوّدة بإحدى عبارات السائق: «بدّك تدلني ما بعرف شي ببيروت، أنا بشتغل بصيدا، بس رمضان كلن نايمين ـــ شوفور من بلادي».
ما يمّيز السلسلة الفياسبوكيّة هي الحنكة في انتقاد آفات مجتمعنا عبر جمل قصيرة لا توظّف التابوهات الدينية والسياسية والاجتماعية. هذا ما يميّز عرض «قبرصلي بوك» الساخر واللاذع لتفاصيل كثيرة تتدفق على صفحات فايسبوك، تعكس كثيراً من الأسى والرجعية. على حدّ قول قبرصلي، «دودز، الكوكب عم ينهار». تكمن أهميّة العرض في اتخاذه قراراً سياسياً بالانتقاد والسخريّة من الحالة الاجتماعيّة والسياسية التي أنتجناها جميعاً، ونعيش تحت رحمتها اليوم: أنباء عن تهديم «داعش» لمكتبة هنا أو لمقام أثريّ هناك، أو حتى أخبار القتل والاعتقال من قبل نظام ديكتاتوري.
وبالنسبة إلى قبرصلي، فالجميع سواسية، من أصحاب القرار وصولاً إلى نشطاء العالم الافتراضي. الجميع يتشاركون في إنتاج وتنمية الوضع الكارثي الذي نعيش فيه. لذا يطلق دعوة واحدة في نهاية عرضه: دعوا فايسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى للتسلية و«الهبل»، ومن منكم يملك فكرة أو خطوة جديّة، فلنلتق في العالم الحقيقي كي ننفذها. مرّة أخرى، يؤكد «مترو المدينة» بإدارة هشام جابر الفنيّة، أنه مساحة للتسلية والمرح، جاهزة لاستقبال جميع أطياف المجتمع اللبناني، من دون تجاهل المقاومة السياسية والثقافيّة للتخلّف المحيط بنا.
في سطور!
لمن لم تسنح له فرصة التعرّف إلى روبرتو قبرصلي في الماضي، يفيدنا هشام جابر بنبذة عن تاريخه: إسمه الحقيقي روبرتو قبرصلي، ولد في زاروب الصيداني في منطقة زقاق البلاط. توفيت أمّه عند ولادته. وبعدما أتم عامه الأول، توفي والده ليعيش مع عمّه خوليو قبرصلي الذي علّمه أصول الهبل والشتائم المنحطة والمقززة. في صباه، إلتحق بالمدرسة الحربية التابعة لعصابة شبقلو المتخصصة في نشل الفتيات على الموتوسيكل، لكنه سرعان ما طرد منها بسبب صوته المزعج ومزاجه العِكِر. ما لبث أن تعرّف إلى الكوميديان العالمي ألبيرتو عيتاني الذي قدّمه إلى الجمهور المولديفي الذي عَبَدَه لعشر سنوات كاملة قبل أن ينطلق إلى العالمية ومنها إلى لبنان البلد الذي إختاره القبرصلي كي يكون حمّامه الخاص والأخير. أجرى حتى الآن 346 عملية جراحية لتجميل فكه السفلي من دون الوصول إلى نتيجة.
 «قبرصلي بوك»: 21:30 مساء ٢٥ و٢٦ تموز (يوليو) ـــ «مترو المدينة» (الحمرا _ بيروت). للاستعلام: ٣٠٩٣٦٣/76

ناصر السومي حارثاً بحرَ يافا



ضمّ «جسر نحو فلسطين» العديد من الفنانين الفلسطينيين، أبرزهم ناصر السومي. مَن هو ناصر السومي؟ إنه الفنان الذي قصّ صخرة الروشة ضمن مشروع «كورنيش ١٩٩٩» الذي نظمته «أشكال ألوان»، ضمن تجهيزات ومداخلات فنيّة امتدت حينها على طول الكورنيش من عين المريسة حتى رملة البيضاء. يومها حين عاد ناصر السومي إلى بيروت بعدما كان قد غادرها عام ١٩٨٠، صدمته التغييرات الجذرية التي طالت النسيج العمراني للمدينة ومعالمها الثقافية، فقرر أن تتمحور مداخلته حول اقتلاع صخرة الروشة من مكانها.
أمام صخرة الروشة على الكورنيش، اصطفّ عدد من المهندسين أمام طاولاتهم، وراحوا يدرسون كيفية قص الصخرة، فيما كان فريق آخر يتسلق الصخرة عبر الحبال ويحدد بالتنسيق مع المهندسين علامات من حيث يجب قصهّا. في المقابل، كانت كاميرا المصور الفرنسي جيروم مارتان تصوّر وتوثق تفاعلات أهل بيروت مع خبر اقتلاع الروشة من مكانها. مادةّ حولها السومي إلى فيلم عُرض لاحقاً في معرض في باريس، حيث استعرض رأي وتفاعل أهل بيروت مع التغييرات الجذرية التي طالت مدينتهم.
ناصر السومي (١٩٤٨) فنان فلسطيني، درس الفن التشكيلي في معهد الفنون الجميلة في دمشق (١٩٧١ - ١٩٧٧)، ثم انتقل إلى بيروت قبل أن يتابع دراسته في معهد الفنون الجميلة في باريس (١٩٨٠ ــ ١٩٨٢). يعمل بوسائط لا حدود لها، بين التجهيز والنحت والرسم حتى المسرح والرقص والكتابة. يعتبر ناصر السومي من أوائل الفنانين العرب الذين عملوا في التجهيز الفني، إلاّ إنه اشتهر في تطويع المواد العضوية في صناعة أعماله، واللون النيلي الذي يطغى على معظم أعماله. المثير للاهتمام أنّ الفنان الستيني لا يتباهى بالبعد الفكري لأعماله. يقول لـ«الأخبار»: «كانت أعمالي وما زالت تنطلق من فطرةٍ أو إحساس ما. بعد تنفيذها بل بعد سنوات من عرضها، يتنامى البعد الفكري وراء العمل، فيأتي كإضافة وليس كأساس. هذا ما حصل مع اللون النيلي». عندما استعمل السومي اللون النيلي للمرة الأولى في أعماله، كان خياراً عفوياً نابعاً مما اعتادت عيناه على رؤيته خلال الطفولة في بيت عمّه في فلسطين. لم يكن يعلم حينها عن العلاقة الخاصة بين اللون وفلسطين، الذي يعتبر تاريخياً لون فلسطين الأول نسبة إلى نبات النيلة وحيوان المريق البحري المتوافر في فلسطين الذي يستخرج منه أجود أنواع صبغة النيلي.
تلك العلاقة التي اكتشفها السومي بنى عليها ليتابع تقديم أعمال عدة مصبوغة بتدرج النيلي. في «جسر نحو فلسطين»، نتفقد لوحات جديدة مثل «بحر» و«سماء» و«أرض» ولوحتين يظهر فيهما مسجد الأقصى. في تلك اللوحات، استعان الفنان بمواد عضوية، ملونة بالصبغة الطبيعية. أما ميزتها فهي أنّها مؤلفة من طبقات نافرة من اللوحة توحي بأنها لوحات حيّة ذات تضاريس وإعوجاجات مستوحاة من الطبيعة.
كذلك، يظهر اللون النيلي في تجهيزه «أيقونة ليافا». قدم السومي ذلك التجهيز عام ١٩٩٦ في «دارة الفنون» في عمان، وحاز عنه الجائزة الأولى في «بينالي القاهرة». غرفة علّق على جدرانها صناديق خشبيّة مصبوغة باللون النيلي، وداخلها قنينة زجاجية تحتوي على مياه من بحر يافا، وقشر برتقال، وإلى جانبها نصّ صغير عن يافا كتبه الذين ولدوا وكبروا في المدينة قبل أن يصبحوا اليوم مهجرّين عنها وقاطنين في بلد آخر. إلى جانب كل صندوق، نجد شمعة. أمّا على الأرض أسفل الصناديق، فحاويات مستطيلة ملأها الفنان بالمياه ووضع فيها صبغة النيلة. في بيروت، أضاف إلى الصناديق القديمة أخرى جديدة تحتوي على المواد نفسها، لكن النصوص كتبت هذه المرة بأقلام فلسطينيين من سكان يافا حالياً. من لحظة اقترابك من غرفة التجهيز وعند تجوالك داخلها، تشعر أنك تدخل إلى معبد لمدينة يافا حيث اختار الفنان أن يحتفظ بذكريات أهلها ضمن صناديق. «عندما غادر أهل يافا المدينة، حملوا معهم في صناديقهم حاجاتهم الأساسية للسفر. هنا أعيد تقديم تلك الصناديق، لكنها هذه المرّة محملّة بذكرياتهم، وذكريات المدينة». غالبيّة النصوص والشهادات المرويّة في التجهيز تروي قصص الجمال والمجد في يافا، قصة ماض ولّى، قصة أهل مدينة غرقوا في الذكريات الجميلة ورفضوا رؤية الواقع المرير.
«أيقونة ليافا» كجميع الأيقونات، لوحة لا تظهر سوى الجمال، وربما الخلود، لكن لمن هذه المرة؟ لمدينة يافا. قد لا يقصد السومي بتجهيزه «أيقونة ليافا» إعلان موت المدينة، لكنه فعل، فجميع مَن في الأيقونات أموات، وبعضهم ربما يرتجي قيامته.
في «جسر نحو فلسطين»، يقدم السومي أيضاً تجهيزاً فنيّاً يحمل عنوان من «إلى القدس» مستوحى من وصف الرحابنة للقدس بزهرة المدائن. في التجهيز على الأرض، مرآة كتب عليها من جهة بيروت، ومن جهة أخرى القدس. من المرآة تصعد أداة خشبية بإمكان زائر المعرض تحريكها من نقطة بيروت إلى القدس أو العكس. بتحريكه تلك الأداة، يتحرك فوقها مجسّم صممه السومي معلقاً في الهواء كزهرة، أو غيمة أو سحاب يغمر السماء من بيروت حتى القدس. يتنقل اليوم السومي في إقامته بين بيروت وباريس، ويقول لنا إنّه منكبّ حالياً على إنهاء كتابه الجديد الذي يتمحور حول شخصية المسيح.

«أبو نضّارة»: سوريا الأخرى صورةً وضميراً


من فيديو "عسكر على مين"
المجموعة التي تأسست عام ٢٠١٠ على يد سينمائيين مجهولين، ولدت من رحم المجتمع السوري، لا تسيرها أموال البترول، ولا خطط الغرب، ولا أصولية تكفيرية. مساء اليوم، نحن على لقاء مع أحد أعضائها في فضاء "أشكال ألوان".
الليلة، يستقبل فضاء «أشكال ألوان» نقاشاً بين شريف كيوان الناطق باسم مجموعة «أبو نضارة» السورية، والمخرجة رانيا إسطفان حول الدور الذي قد يلعبه مخرجو الأفلام الوثائقية في تقديم شهادة عن الحاضر في ظل العنف المسيطر. كما سيتخلل اللقاء عرض لبعض أفلام مجموعة «أبو نضارة».
تأسست «أبو نضارة» عام ٢٠١٠ على يد سينمائيين سوريين أبقوا هويّتهم مغفلة. منذ اليوم الأول للانتفاضة السورية، عملت المجموعة على تظهير التنوع والتعقيدات في المجتمع السوري بمختلف أطيافه، بعيداً من اختزال الصورة التي قدمها الخطاب المتطرّف في كلا الخندقين الموالي والمعارض. في نص «تسقط عاصمة الثورة» الذي نشرته المجموعة أخيراً على فايسبوك تعيد تأكيد أنّ هدفها هو إنتاج «صورة مغايرة، متنوعة، جذرية، عصية على قانون الفرجة والأطر مسبقة الصنع». في رصيد «أبو نضارة» اليوم أكثر من ٢٤٥ فيديو، وأفلام قصيرة وثائقية جديدة تقدم كل أسبوع، وتتخللها مقابلات مع مختلف أفراد المجتمع السوري من الموالي إلى المعارض والثوري والعسكري والمحارب وحتى القنّاص. في تلك الفيديوهات، تهدف المجموعة إلى تظهير تنوّع المجتمع السوري عبر ميوله وآرائه، والأهم هو الابتعاد عن إنتاج صورة تبسيطية للأفراد تحصرهم في خانات ضيقة وسطحية. لا بل تحرص المجموعة في ما تنتجه على تصوير الأفراد بتعقيداتهم ومشاعرهم وآرائهم، كما هم في الواقع.
بعد مرور ثلاث سنوات على البدايات السلمية للانتفاضة التي صارت تعرف لاحقاً بـ«الثورة السوريّة»، وبعدما نجح الإعلام المهيمن في تبسيط الصراع واختزاله، بات وجود مجموعة مثل «أبو نضارة» أكثر من ضروري. هي ما زالت تطالب بالثورة السلمية، وبحقّ الاعتراض على نظام ديكتاتوري يقمع ويعتقل ويقتل، وترفض احتكار «الثورة في حفنة من الإرهابيين الذين لا يمتّون إلى المجتمع السوري بصلة. «أبو نضارة» تقول لنا إن في سوريا أفراداً متنوّعين، يطالبون حتى اليوم سلميّاً بالـ«حرّية وكرامة».
في حوارنا مع شريف كيوان، يصف الوضع في سوريا اليوم بالمأساوي بعد «إعادة انتخاب بشار الأسد رئيساً للجمهورية السورية، ثم تلك المهزلة التي تدّعي الخلافة وتأسيس الدولة الإسلامية». بين هذين النقيضين، مساحة واسعة لأفراد يرفضون أن يتحكّم فرد ــ أيّاً كان ــ بمصير حياتهم. أفراد غضّ الإعلام الرسمي النظر عنهم لأنّ صوت الرصاص والذبح والقتل طغى على صوت مطالبهم السلميّة. تلك هي المجموعة التي تعمل «أبو نضارة» على إيصال صوتها إلى المجتمع السوري والعالم. كما أنّ المجموعة على يقين بأنّ لا مجال لرؤية المستقبل من دون مشاركة جميع أطياف المجتمع السوري في بنائه، على قاعدة المساواة والعدالة. في أحد فيديوهات المجموعة، تقول مرسيل: «كان سهلاً جداً أن أحقد إلى الأبد على الذين قتلوا والدتي، لكنني اخترت الطريق الأصعب، أن أحاول أن أتفهّم أنهم هم أيضاً ضحايا كي لا أخسر إنسانيتي». مرسيل كآخرين كثر رفضوا أن يستسلموا للحرب، وأن يتحكم العنف والقتل والحقد بهم وبخياراتهم، وما زالوا حتى اليوم يقاومون قمع النظام وتخلف الأصوليين. من أفواه وأفعال هؤلاء السلميين واللاطائفيين، لا يمكن أن تسرق الثورة، ولا يموت حقّ. في مقابلة أخرى مع قناص، وبعد تعبيره عن عدم قدرته على إحصاء أعداد ضحاياه بسبب كثرتهم، يقول للكاميرا «بكيت حين علمت أن الجنين في رحم زوجتي توفيَ، لأنني إنسان في نهاية الأمر». ذلك القناص وغيره ممن قتلوا وذبحوا من الطرفين التقتطهم أيضاً كاميرا «أبو نضارة»، ليس ترويجاً للدم، ولا للمتاجرة بأشلاء الضحايا، بل كي لا يُختصر هؤلاء بصفة أو بفعل واحد.
في فيديوهاتها، تبتعد المجموعة من القدح والذم تجاه أي جهة، إيماناً منها بأنّ مضاعفة العنف لن توصل يوماً إلى الحلّ، فمصير السوريين هو التعايش في بلد واحد حيث لا يستأثر فيه أي طرف بالسلطة. كذلك، تقاوم المجموعة عبر فيديوهاتها الأشخاص والأماكن الذين يعملون على احتكار السلطة. ومن هنا كان قرار إبقاء أفراد المجموعة مجهولين وموزّعين في أرجاء الأراضي السورية لأسباب أمنيّة طبعاً. إنّهم فنّانو الظل الشباب الذين لا يبحثون عن سلطة أو شهرة شخصية، لذا تتجلّى مجموعتهم في كل فرد، وكل مكان.
تستند المجموعة في مقاربتها الفنية إلى تجارب سابقة كتلك التي ظهرت في فرنسا عقب الثورة الطلابية في الـ ٦٨، وأعمال المخرج الأميركي صموئيل فولر (المذبحة والسينما والمستحيل). وتواصل إنتاج الأفلام القصيرة من دون تمويل أو دعم خارجي، على قاعدة العمل التطوّعي. ومن آخر انتاجاتها شريط وثائقي طويل تحت عنوان «سوريا: يوميات الزمن الحاضر» الذي حلّ في بيروت ضيفاً على «أشغال داخلية» من تنظيم جمعية «أشكال ألوان»، كذلك عرض في مهرجانات في أوروبا، وعلى قناة «أرتي» الفرنسية الألمانية.

اليوم أكثر من أي وقت، تزداد الحاجة في سوريا إلى من يوصل صوت هؤلاء الرافضين لديكتاتورية النظام وتخلف الأصوليين. «أبو نضارة» ولدت من رحم المجتمع السوري، لا تسيرها أموال البترول، ولا خطط الغرب في زعزعة المنطقة وتقسيمها، ولا أصولية دينية تكفيرية دخيلة على المجتمع السوري. «أبو نضارة» تعكس بالصورة والصوت خياراً واضحاً وهادئاً ومسؤولاً يحمله أفراد ما زالوا يطالبون بأبسط الحقوق: الحرية والكرامة في مواجهة الاستبداد السياسي. إذا كان مشروع المطالبة بالتغيير مستمرّاً في سوريا، فالمؤكّد أن أفراد «أبو نضّارة» عيّنة أمينة عن النخب التي تحمل تطلّعات تلك الثورة.

شريف كيوان من «مجموعة أبو نضارة» ورانيا اسطفان ـ عرض أفلام ونقاش: 19:30 مساء اليوم ــ «أشكال ألوان» (جسر الواطي ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/423879 ـــwww.abounaddara.com

بيرتران كانتا صوت الضمير في التراجيديا الشهيرة: «أنتيغونا» وجدي معوّض أعلنت القطيعة


قدم وجدي معوض ثلاثيته «نساء» للمرة الأولى عام ٢٠١١ في «مهرجان أفينيون المسرحي» في فرنسا. العرض الكامل الذي يمتد ستة ساعات ونصف، تناول سيرة ثلاث نساء من التراجيديا الإغريقية بقلم سوفوكليس: ديانيرا من «نساء تراخيس» عن القدرة على الحبّ بقدر الألم، وأنتيغون عن العدالة ومحاولة المصالحة، وإليكترا عن إصلاح عملية القتل عبر الانتقام. أما خشبة «مهرجانات بيت الدين»، فستستقبل جزءاً واحداً من الثلاثية هو «أنتيغون» (7 و8 آب/ أغسطس) الذي يمتد ساعة و45 دقيقة.
وجدي معوض (١٩٦٨) كاتب ومخرج وممثل مسرحي لبناني كندي، هاجر إلى فرنسا ثم كندا عام ١٩٨٣ حيث بدأ بكتابة وإخراج أعماله المسرحية، ومن هناك إنطلقت شهرته العالمية. أما اليوم، فيعيش في فرنسا. في كندا، بدأ بإخراج بعض النصوص العالمية، ثم كتابة مسرحياته الخاصة التي تتخذ من الحرب الأهلية اللبنانية، والصراع العربي الإسرائيلي مادة وسياقاً لها. كان يعيد توليفها مع عناصر التراجيديا الإغريقية، لينتج تراجيديا معاصرة. من أشهر مسرحياته «ليتورال»(١٩٩٧) التي نقلها بذاته لاحقاً إلى الشاشة الكبيرة عام  ٢٠٠٥، و«حرائق» (٢٠٠٣) التي قدمت على خشبات عدة في العالم، وكانت أول عرض يقدم له في بلده لبنان على خشبة «مسرح المدينة» العام الماضي. «حرائق» أيضاً نقلها المخرج الكندي ديني فيلنوف إلى الشاشة الكبيرة (٢٠١٠) وقدمت في «مهرجان البندقية السينمائي»، ثم عرض الفيلم في الصالات اللبنانية. بالإضافة إلى الجوائز التي نالها في كندا، كانت دعوة «مهرجان أفينيون» له كضيف على المهرجان عام ٢٠٠٩، من أهم محطاته المسرحية، حيث عرض أربع مسرحيات تحت عنوان «دمّ الوعود». وإلى جانب تأسيسه فرقاً مسرحية في كندا وفرنسا، فهو أيضاً شريك في مسرح Grand T في نانت، في فرنسا. وهنا تجدر الإشارة إلى أن لوجدي معوض شهرة مسرحيّة عالميّة، لكن لأعماله وقع مختلف على الجمهور اللبناني والعربي، الذي  يجد نفسه مع معوض دائماً أمام قصته التي لم يعد يستطيع التعرف إليها، لأنّها قصة تشوبها بعض الأسئلة السياسية.
أما ثلاثية «نساء» التي تضم «أنتيغون» فأحدث عرضها بلبلة واعتراض بعض المسارح على استقباله، ومقاطعة بعض الجمهور له بسبب مشاركة بيرتران كانتا فيه. مغني الروك الفرنسي الشهير الذي أسس مع رفاقه فرقة Noir Desir كان أقدم عام ٢٠٠٣ على ضرب عشيقته الممثلة الفرنسية ماري ترانتينيان إثر شجار بينهما، ما أدى إلى مقتلها بعد أيام في المستشفى. جريمة ضجّ بها الإعلام العالمي، وانتهت بسجن كانتا ٨ سنوات. بعد خروجه من السجن، حاول العودة إلى الغناء إلاّ أنه لم يستطع إحراز نجاح كبير، إلى أن طلب منه وجدي معوض المشاركة في ثلاثيته «نساء» كملحن، وكمؤد لدور الكورس غناءً حيّاً خلال العروض. لكن مع العرض الأول لـ«نساء» في «مهرجان أفينيون»، كانت المشاكل في انتظار كانتا. سارع الممثل الفرنسي جان لوي ترانتينيان والد ماري ترانتينيان إلى الانسحاب من المهرجان لحظة علم أن قاتل ابنته يشارك في عرض وجدي معوض. فما كان من بيرتران كانتا إلاّ أن أعلن إعتذاره عن وجوده شخصياً على الخشبة في أفينيون، واكتفى بالتسجيل الصوتي «لأسباب شخصية، واحتراماً لآلام جان لوي ترانتينيان». ولكن أيضاً في كندا، أُعلن رفض صعود كانتا إلى الخشبة في عرضين في أوتوا ومونتريال.

تلك البلبلة كان معوض يجيب عليها دائماً بأنّه اختار أولاً موسيقى الروك لمرافقة نسائه في التراجيديا. أما التعامل مع بيرتران كانتا فلأنه من أفضل أصوات الروك، و«شخصية تراجيدية بامتياز»، فالجمهور يشاهد على المسرح رجلاً يتأمل الكارثة في حياته الخاصة. لا يخفى على معوّض أن الموقع الذي وضع فيه كانتا في تراجيدياه، الكورس، ليس في موقع يمكن فصله عن تاريخ كانتا. الكورس في التراجيديا الإغريقية ينطق بصوت الضمير والعدل، فكيف لو كان الكورس المرافق لأنتيغون؟
أنتيغون هي ابنة أوديب وجوكاستا التي أصرّت على دفن أخيها بولينيس بعدما تقاتل مع أخيه إيتيوكل، رغماً عن أمر ملك طيبة الجديد كريون، وتحقيقاً للعدالة. بعدما اكتشف أوديب أنه قتل أباه، وتزوج من أمه وأنجب أربعة أولاد: أنتيغون، وإيسمين وبولينيس وإيتيوكل، فقر عينيه، وهج إلى البرّية، لكنه لعن ولديه قبل ذلك. هكذا تقاتل الشقيقان على عرش طيبة، في معركة قتل فيها الاثنان بعضهما. وبما أن خالهما كريون كان داعماً لإيتيوكل ضدّ أخيه بولينيس، فأقام جنازة تليق بالأبطال للأول، وأمر برمي جثة الثاني خارج سور المدينة ومنع دفنها بعدما أصبح هو الملك على طيبة. وتحقيقاً لحقّ بولينيس بأن يدفن، ستعصي أنتيغون أوامر خالها الملك، وتغمر جسد أخيها بالتراب مقيمة مراسيم دفنه وحيدة، قبل أن يعاقبها كريون بالحبس حيث ستنتحر شنقاً، قائلة لخالها «أنا لم أصنع لأعيش مع كراهيتك، لكن مع الذين أحبهم».
في «أنتيغون»، يلعب الكورس دور الاعتدال ومعرفة الذات، لكن الأهم أنه في الفصل الأخير من التراجيديا يصبح الصوت الثاني لكريون، صوت الضمير الذي يدفعه إلى إعادة التفكير في أفعاله وأحكامه وتحقيق العدالة. بذلك، فإنّ اختيار وجدي معوّض منح دور الكورس لبيرتران كانتا ليس مجرد خيار موسيقي، بل يعطي صوت العدالة والضمير إلى «قاتل». وإذا عدنا إلى أعمال معوّض السابقة، نجد نيّة واضحة لدى الكاتب والمخرج اللبناني المقيم في كندا في شقلبة الأدوار والشخصيات والمواقع التي يستوحيها من الحرب الأهلية اللبنانية، والصراع مع إسرائيل. لذا، فوضع كانتا اليوم في موقع كورس أنتيغون ليس بغريب عليه. وكما يقول معوّض في مقدمة موقعه الإلكتروني: «الفنان مثل الخنفساء يأكل من قرف العالم الذي من أجله يقدم الأعمال، ومن ذلك الطعام الحقير يتوصل، أحياناً، إلى إخراج الجمال».
نحن لسنا هنا في صدد الحكم على معوض بسبب اختياره العمل مع بيرتران كانتا، لكنّنا نستعرض سياق العمل ضمن تلك المقالة يصبّ في ترقب شيّق ومثير لعرض «أنتيغون» على خشبة «مهرجانات بيت الدين». ويبقى للجمهور مشاهدة العرض والحكم الأخير على مقاربة معوض لأحدّ أشهر نصوص المسرح العالمي، «أنتيغون» اجتماعياً وإنسانياً والأهم سياسياً، متشوقين لمعرفة ما إذا كانت للحرب الأهلية اللبنانية أم الحرب مع إسرائيل حصّة من عدالة «أنتيغون».