سوسن بوخالد: «أليس» تصارع وحوشها


على مدى ساعة، تضعنا الممثلة والمخرجة الشابة أمام المخاوف والأحلام والهواجس الطفولية من دون أن تثقلها بشحنات ميلودرامية. عرضها الجديد الذي يقدَّم على خشبة مسرح «دوّار الشمس» يعكس واقع المواطن العربي في لحظات البحث عن الوجود الآمن. في بقعة صغيرة تتسع لأربعين مشاهداً، تحلّق الجمهور حول فراش سوسن بوخالد. إنه مسرح رواياتها الممزوجة بالخوف والحلم والتحوّلات في عرضها «أليس» على خشبة مسرح «دوار الشمس». صمت. الليل وظلمته ثقيلان على امرأة وحيدة في فراشها. عمرٌ يمر وتجاعيد تتكاثر لا يمكن تجنبها سوى عبر وضع الخيار على العينين كل يوم قبل النوم. ينطفئ النور، ويعمّ الصمت قبل أن نلج إلى عالم من المخاوف.
وحوش تغزو سكينة الليل. تحت الشرشف، وراء السرير، في زوايا الغرفة، من كل مكان. تتخبط سوسن بوخالد مع قدم وحش، تخرج من تحت فراشها، تتقمص شخصيات لتهرب من خوفها، تستحضر أمّها لتشعر بالأمان، تتحول إلى غيمة، وإلى صديق وهمي. في «أليس»، تعالج سوسن بوخالد الواقع الذي نعيشه اليوم ـــ أحياء وأمواتاً ـــ من دون أن تثقل موضوعاً عميقاً مماثلاً بشحنات ميلودرامية. إنّه واقع المواطن العربي، أو أي واقع إنساني آخر في لحظة البحث عن الوجود الآمن. تلك الحاجة الأساسية إلى الأمان، إلى الطمأنينة، إلى العيش والوجود خارج الخوف. كي تبتعد عن الابتذال ومحدودية المعالجة المباشرة لموضوع مماثل عبر سياقات محددة من الواقع السياسي الاجتماعي، اختارت أن تعود إلى مخاوف الطفولة، المخاوف الأساسية. تلك المرأة وحيدة في الليل، ومثل أي طفل، تخاف الوحوش المختبئة تحت فراشها في العتمة. تخاف ما لا تستطيع رؤيته، أو ملامسته والسيطرة عليه. تخاف المصير. من هنا، يقتصر النص على كلمات طفولية بسيطة تجتمع أحياناً لتخلق جملاً بسيطة هي الأخرى. ورغم أنّ انزلاق النص أحياناً إلى لغة البالغين أدى إلى إضعاف تماسك منطقه، إلا أنّه أضفى بعداً فلسفياً على أصغر التفاصيل، ينبع من الأسئلة الوجودية التي يطرحها الأطفال ومن حاجاتهم الأساسية التي نتعلم أن نتغاضى عنها ونضحّي بها نحن الكبار. «كيف ما بتعرفي الفرق بين ريحة الزهور وريحة الخرا!» تسأل تلك المرأة رفيقتها الوحيدة الدمية القطة «أليس»، في ليلها الطويل. هذا السؤال يختصر عرض سوسن بوخالد. زمن تنتفي فيه قدرة التمييز بين رائحة الزهور ورائحة الخراء. أصغر التفاصيل قابلة للتحول المستمرّ من الجمال إلى القبح ومن الطمأنينة إلى الأرق ومن الحياة إلى الموت والعكس. ما من ثابت، بل كل شيء متحول. سكينة الليل تلامس الموت، والربيع يخبئ في طيّاته وحوشاً تأكل عقول الأطفال، فتمنعهم من الحلم. تلك المخاوف تقدمها سوسن بوخالد ضمن قالب بسيط. عبر مساحة لا تتعدى فراشها المتحوّل إلى فضاءات مختلفة تنتقل سوسن بجمهورها من عالم متحول إلى آخر على مدى ساعة من الزمن. أما باب الحلّ الذي تقترحه، فهو الحلم والخيال. الأطفال يحلمون ويتخيّلون، ويحوّلون مخاوفهم إلى لحظات جمال وطمأنينة. أجمل التحوّلات في «أليس» هو تحوّل الوحش إلى كائن جميل. إنّه المسرح مساحة الخيال. في عالم نعيش فيه ويحوي عدداً كبيراً من الأموات، وربّما نحن أموات أيضاً، لا ملجأ لنا سوى الخيال. «أليس» الذي أسهم «الصندوق العربي للثقافة والفنون ـــ آفاق» في إنتاجه قدّم في القاهرة قبل أشهر، ويقدم اليوم في بيروت. تعاون الثلاثي سوسن بوخالد (كتابة وتمثيلاً وإخراجاً)، وحسين بيضون (سينوغرافيا) وسرمد لويس (إضاءة) أثمر عملاً متقن التفاصيل وغنياً جداً في خلقه للصور. يبرهن حسين بيضون مرّة جديدة على أهمية السينوغرافيا المسرحية الموظفة بشكل كامل لخدمة الرؤية الإخراجية والدراماتورجية التي يندر أن نشهدها في الأعمال المسرحية اللبنانية. العناصر جميعها ببساطتها وتعقيدها، ومن بينها الفيديو، تحضر على المسرح لهدف درامي وليس لمجرد الديكور. بدقته المعهودة، اختار سرمد لويس الألوان وإضاءة منيمالية المناسبة لتدعيم مشاعر الخوف وبرد الليل ولمرافقة لحظات الحلم، راسماً عبر الظلال مساحة أخرى موازية للعرض. هذه العناصر، أعادت سوسن بو خالد توظيفها ضمن رؤية إخراجية، يتنقل فيها جسدها ـــ في مساحة لا تتعدى المترين والمتر ـــ من بقعة إلى أخرى خالقاً في كل مرة لوحة فنية جديدة.
الحلقة الأضعف
النقطة الأضعف في عرض «اليس»، تبقى التركيبة الدراماتوجية. تجرّأت سوسن بوخالد على اللعب على الصمت في عرض مونودرامي لا يرتكز سوى على وجودها بمفردها على الخشبة (بمساندة العناصر السينوغرافية). برعت في تقديم مشاهد صامتة أبلغ من المشاهد الناطقة. لكنّ إيقاع العرض شابه بعض لحظات الفراغ التي ربّما أرادتها بوخالد لتنقلنا معها إلى فراغ الوحدة في الليل المليء بالمخاوف. لكن ثقل تلك اللحظات أثّر على تماسك العرض وانسيابه. تبقى محاولة سوسن بوخالد هي المثيرة للاهتمام، لناحية التجريب في البحث عن إيقاع غير كلاسيكي تتخلله لحظات تغيب فيها الأفعال الصامتة والناطقة، بعيداً عن الحشو الدراماتورجي. لكن في «أليس»، تبقى قوة بعض المشاهد طاغية على العرض بكليته، ما يضع المشاهد أمام لحظات انتظار قدوم مشاهد جديدة لتنتشله من بعض الرتابة. من هنا، لا بد من إعادة النظر في دراماتورجيا العرض من حيث تفاصيل البنية الدرامية لكل مشهد، وتماسكها لتكوين إيقاع العرض العام.

عزيزي الأصولي أسقني الثقافة العربية لا تحريمك


عزيزي الأصولي العربي الشاب، خلال السنوات الأخيرة أتحفتني بثقافة تحريمك. فتارة تريد أن تقطع مشاهد القبل والعريّ من أفلام السينما، وتارة تهجم على سينما أو معرض فني وتطالب بإغلاقه، وتمنع كتاباً هنا وفيلماً هناك... فاسمح لي أن أعرفك على الثقافة العربية التي تبدو وكأنك دخيل عليها، مع أنه مثلي مثل حالك ولدنا في نفس الوطن العربي ونطقنا نفس الضاد. لكن لا بأس، لا بد أن نتحاور ونتناقش لأننا، لا أنت ولا أنا،  اخترنا  أن نكون عرباً بل ولدنا كذلك. لن أغوص معك في تطور الفكر الثقافي العربي المعاصر ولكن فلنعد ولنتذكر سوية أغنيات طربية سبقت مولدنا أنت وأنا، وأصبحت جزءاً لا يتجزء من الثقافة العربية، لا بد أنك سمعتها مراراً وتكراراً وتربيت عليها مثل كل مواطن عربي. دعك من النجس والدنس والفحشاء التي صدرها إلينا الغرب، فلنبحث في أغاني أمثال أم كلثوم وأسمهان وصباح فخري عن مرآة لثقافة عربية يبدو أننا نختلف عليها.  

بداية، لا بد أننا نتفق أن أم كلثوم كانت مطربة القرن العشرين بامتياز. فقد أطربتنا منذ بدايته حتى نهايته، بما مرّ خلاله من تقلبات سياسية، واجتماعية، وثقافية، استطاعت مواكبتها، لا بل يمكن قراءة جزء كبير من تاريخ مصر والأمة العربية عبر أغانيها. كان لأم كلثوم علاقة وطيدة بالسلطة منذ أيام الملك فاروق، مروراً بجمال عبد الناصر، وصولاً إلى أنور السادات، وهي غنت تلك المراحل بصوتها. كما كانت أغانيها مرآةً للمجتمع، كذلك كانت للفرد المصري بشكل خاص، والعربي بشكل عام. لذلك، استطاع كلّ مستمع أن يجد في أغاني كوكب الشرق كلمات تحاكيه، أو تتكلم عنه، في فرحه، وعشقه، وحزنه، وهزيمته، وانتصاره. لا بد أنك تعلم أنها غنت لأمير الشعراء أحمد شوقي "نهج البردة" في مديح الرسول. أما "الست" فعُرف عنها بأنّها لم تكن تشرب الخمر. ذلك التمنع عن الشرب يصفه أيضاً أحمد شوقي في أغنية "سلوا كؤوس الطلا". إذ إنّه في أول لقاء جمعه بكوكب الشرق، أُعجب شوقي جداً بصوتها. وفي نهاية الحفل تقدم منها ليهنئها، مقدماً لها كأساً. فرفعت الكأس احتراماً حتى شفاهها، ولكنّها لم تشرب منه. أُعجب أحمد شوقي يومها بلباقة تصرف الستّ، فكتب لها قصيدة يفتتح مطلعها بـ"سلوا كؤوس الطلا هل لامستْ فاها، واستخبروا الراح هل مسّتْ ثناياها"، وأرسلها لها في اليوم التالي. قبلت أم كلثوم القصيدة هدية من أحمد شوقي، لكنها انتظرت سنوات بعد رحيل أمير الشعراء لتطلب من الملحن رياض السنباطي تلحينها، فغنتها سنة 1944، معدّلة بعض الأبيات عبر حذف ذكر اسمها منها. إذ إن أمير الشعراء في الأبيات اللاحقة  يتوجه إلى "ثومة" سائلاً "ما ضرّ لو جعلتْ كأسي مراشفها؟"، رغبة منه في أن تشرب من كأسه، لتعود شفاهه فتلمس المكان ذاته من الكأس.
نعم أم كلثوم لم تكن تشرب الخمرة، وإن كان ذلك انطلاقاً من اعتقاد ديني أم لا، لكنّها غنّت عن الخمر والسكارى كجزء من المجتمع الذي عاشت فيه، وتعايشت معه. من المؤكد في ذلك الزمن أن تحريم الخمر أو غيره في الدين لم يكن معياراً تعتمده المطربات في اختيار كلمات الأغاني. لا بل كانت جودة العمل الفني، وتواصله مع المحيط الذي ينبثق منه هي المعايير الأساسية لذلك. وبما أن شرب الخمر كان وما يزال جزءاً من الممارسات الاجتماعية، كان لا بد أن يجد مكانة في أغنيات كوكب الشرق. أما في أغنية "الأطلال" التي كتب كلماتها الشاعر إبراهيم ناجي، وغنتها أم كلثوم في عام 1966 لأول مرة، تتحدث كوكب الشرق عن فقدانها للمحبوب مخاطبةً قلبها: "يـا فؤادي لا تسلْ أين الهوى"، بل "اسقني واشربْ على أَطلالها". هكذا تجد في الخمر علاجاً من الأسى عبر النسيان ”فتعلَّمْ كيف تَنسى، وتعلَّمْ كيف تمْحو". ثم تتابع الأغنية في وصف حالة السكر والفرح والضحك مع الندماء: ”وضحكنا ضحْكَ طفلين معاً"، إلى مرحلة اليقظة ما بعد السكر، متمنية عدم زوال مفعول الخمر: "وأَفقنا ليت أنّا لا نُفيق". لتعود وتختم سائلةً الحب إن رأى هكذا سُكارى، علماً أنّ تلك الأبيات الأخيرة أضيفت إلى الأغنية من قصيدة أخرى للشاعر نفسه.
تعلم جيداً أن وصف الخمرة والتغزل بها وبمفعولها ليس جديداً على الثقافة العربية، رغم تنصل البعض حالياً من ذكرها، أو التنكر لوجودها. وإن كان الشعر خير مؤرّخ لتفاصيل المجتمع التي تتجاهلها كتب التاريخ وسائر النصوص الرسمية، فإنّ للخمرة منزلة عزيزة في الشعر العربي، منذ عصر الجاهلية حتى يومنا هذا. من المؤكد أنّ ظهور الإسلام قلص تلك الظاهرة في العالم العربي، أو التكلم عنها علناً على الأقل، ولكن الأبيات الشعرية تظل شاهدة ولا يمكن تجاهلها. يبقى أبو النواس مثالاً مجاهراً بعشقه للخمر علناً: "ألا فاسقني خمراً وقل لي: هيَ الخمرُ، ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهرُ، فما العيْشُ إلاّ سكرَة بعد سكرة، فإن طال هذا عندَهُ قَصُرَ الدهرُ". وأبو النواس، المعروف بشاعر الخمرة، عاش في العصر العباسي في أواخر القرن الثامن، متنقلاً ما بين البصرة وبغداد ودمشق والقاهرة، وكان مقرباً جداً من الخليفة المسلم هارون الرشيد، ثم من ابنه الخليفة الأمين.
شاعر الخمرة ذاك، وبعد قرون عديدة، سوف يجتمع مع عمر الخيام ليسكرا سوية في ليلة كلثوميّة. "هلّ في ليلتي خيالُ الندامى والنُواسيُّ عانق الخيّاما، وتساقَوا من خاطري الأحلام وأحبوا وأسكروا الأياما". إنه بيت في أغنية "هذه ليلتي" التي كتبها الشاعر اللبناني جورج جرداق لأم كلثوم. في هذه الأغنية، لا تكتفي كوكب الشرق بوصف ليلتها بليلة سكرٍ وخمرٍ، بل توصّف عبرهما الفرحة التي تغمرها بقرب الحبيب، وتتغزل بمعشوقها كونه هو خمرتها: "يا حبيبي وأنت خمري وكأسي، ومنى خاطري وبهجة أنسي".  ودعنا لا ننسى أنّ أم كلثوم هي ابنة المؤذن إبراهيم البلتاجي، وبرعت في تجويد القرآن والأناشيد الدينية، لكنها غنت ومنذ بداية حياتها المهنية عام 1925 "الخلاعة والدلاعة مذهبي/ من زمان أهوى صفاها والنبي". حينها كانت الفنانة الجديدة الصاعدة تودّ منافسة سلطانة الطرب منيرة المهدية، التي اشتهرت بتغنّيها بلذّات الحياة، في عقر دارها. 
دعنا من أم كلثوم، فلنتجه قليلاً نحو بلاد الشام. فإن لأسمهان أغنية تتخطى فيها ذكر الخمر إلى اللذة الجنسية في الشرب: "صُبّها من شفتَيك في شَفتي". وقد تكون قصيدة "أسقنيها بأبي أنت وأمي" التي كتبها الأخطل الصغير من أجرأ ما غنته أسمهان: "ولماك في فمي فديت فاك، هل أراك وعلى قلبي يداك ورضاك، هكذا أهل الغزل كلما خافوا الملل أنعشوه بالقبل". وماذا عن سيد القدود الحلبية والموشحات صباح فخري، فلا بد أنك شاهدت الملايين من العرب يتراقصون على نغمات "خمرة الحب إسقنيها"، وصباح فخري ينطرب ويكرر "خمرة الروح القبل... صليني، بالنبي، صليني".
عزيزي الأصولي العربي الشاب، تلك ليست إلا أمثلة قليلة من زمن الماضي، وكل ما وددت أن أقوله لك: إن استمرارك في نزعتك التحريمية الأصولية قد تؤجج تصادماً لن يستطيع أحد فيه أن يلغي الآخر، ولكننا سوف نقضي على ثقافتنا العربية. فلا تشرب الخمرة (وجميع محرماتك) ولا تغنيها، ولكن عزيزي أسقني الثقافة العربية وليس تحريمك. نهاية وقبل الوداع، أتركك مع أغنية "يا جارة الوادي" التي كتب كلماتها أحمد شوقي ولا تخلو من الغزل الإباحيّ، ولكن انصحك بنسخة غنتها المطربة اللبنانية نور الهدى بدون موسيقى، فإنها الأجمل.


نشر في رصيف ٢٢




«مسرح لبيروت» في حمى المجتمع المدني



مرّت سنتان على إقفال «مسرح بيروت»، وما زلنا في مجموعة «ردوا المسرح لبيروت» نحاول تفعيل قانون الممتلكات الثقافية لإنقاذ المسرح من خطر الهدم، وإنقاذ ذاكرة بيروت الثقافية من تهديد الطمس. خلال السنتين الماضيتين، التقت المجموعة مراراً بوزير الثقافة كابي ليون وبفريق عمله الوزاري، ما أدى إلى تراكم النقاشات والملفات.
أما اليوم، فقد قرّر الوزير إحالة الموضوع على «هيئة التشريع والاستشارات» (هيئة قضائية في وزارة العدل) بهدف إصدار قرارها الاستشاري بشأن الخطوات القانونية الإجرائية المناسبة الآيلة إلى إعادة فتح المسرح وتفعيل الآليات المنصوص عليها في قانون الممتلكات الثقافية بناءً على طلب وزارة الثقافة (حسب القانون 37/2008). مواكبةً لهذه المحطّة الدقيقة التي قد تصدر نتيجتها الإيجابية أو السلبية قريباً، وحرصاً منّا على إشراك أكبر عدد من الأشخاص والهيئات المعنية بهذه القضية لتحقيق الأهداف المشتركة، تدعوكم المجموعة إلى الحضور والمشاركة في تأسيس جمعية غير حكومية ثقافية مستقلّة جامعة، تهدف إلى تنظيم تحركنا عبر إضفاء الصفتين التمثيلية والقانونية لإطار عملنا؛ والإعلان رسمياً عن تأسيس الإطار القانوني المناسب لجهة تفعيل آلية إعادة فتح المسرح وإدارته في موازاة درس «هيئة التشريع والاستشارات» لملفّ القضية. بين الخامسة والسادسة والنصف من مساء غد، ستكون المهلة الأخيرة للراغبين في الانضمام لمؤسسي الجمعية، إذ سيُعلن عن تأسيس جمعية «ردّوا المسرح لبيروت» بمن حضر. لذلك، أحضروا نسخة عن بطاقة الهوية وسجلاً عدلياً لا يتعدى تاريخه ثلاثة أشهر، ولاقونا إلى «زيكو هاوس» (سبيرز ـ بيروت)، فمسؤولية إعادة إحياء «مسرح بيروت» والحفاظ على الممتلكات الثقافية تقع على عاتقنا جميعاً، خصوصاً أنّ المجموعة لم تعد قادرة على متابعة المسار بمفردها. والأهم أنّنا لا نريد احتكار إدارة المسرح لدى افتتاحه، بل تهمنا أكبر مشاركة فاعلة من الأفراد والمؤسسات الثقافية. لا يمكننا غض الطرف عن الدور الرئيس والأعزل الذي يؤديه المجتمع المدني في إحياء الحياة الثقافية في لبنان وازدهارها. لذلك، لنكن كثراً، ولنغمر صفحات وثائق تأسيس الجمعية بتوقيعات مَن يصنعون فعلاً ثقافة لبنان. ولنقل لوزارة الثقافة أيضاً، إنّنا ــ المجتمع المدني ــ مستعدّون للقيام بدورنا وإدارة مسارحنا، شرط أن تلاقينا عند منتصف الدرب وتتحمّل مسؤولية حماية الذاكرة الثقافية، وإلا فلتزل كلمة «ثقافة» عن مكاتبها وحقائبها.

"مجموعة الدكتافون" ... هذا القطار لي!



من الأملاك البحرية في عرضها السابق إلى مصلحة السكك الحديدية اللبنانية في «تصريح». قدّمت مجموعة الدكتافون  محاضرة أدائية عن القطارات الثلاثة التي كانت تعبر لبنان منذ عام 1891 حتى اندلاع الحرب الأهلية. لركوب القطار المتّجه شمالاً لحق الجمهور بتانيا الخوري. أما المتوجهون شرقاً، فمع بترا سرحال، وجنوباً مع عبير سقسوق. هكذا انطلق عرض «تصريح» الذي قدمته مجموعة «مجموعة الدكتافون» لليلتين في فضاء «أشكال ألوان» (جسر الواطي ــ بيروت). من محطة قطار مار مخايل في بيروت، اتجهت تانيا نحو العبودية، وبترا نحو رياق، وعبير نحو الناقورة. المسارات الثلاثة تقاطعت عند نقطة النهاية على الحدود اللبنانية.
داخل الصالة، توزعت المقاعد على ثلاثة خطوط بحسب وجهة انطلاق القطار. على الأرض، خريطة كبيرة للبنان حيث تتجول المؤديات الثلاث فوقها خلال العرض، كل بحسب مسارها. أما في الخلفية، فيرافق فيديو رحلة كل منهن (تصوير كرم غصين، دانا أبو رحمة، وتوليف علي بيضون). ينقل الفيديو تفاصيل الرحلة عبر مشاهد من داخل السيارة، وأخرى لمحطات القطار، ومشاهد التقطت خلسة حيث يمنع التصوير. خلال المسارات الثلاثة، تحدثنا كل مؤدية عن تجربتها الشخصية خلال الرحلة، مستغلة توقفها عند محطات القطار كي تقدم لنا المعلومات التي حصلت عليها خلال البحث. عرض يفضح الفساد المتفشي في الطبقة السياسية الذي أدى إلى إبقاء السكك معطلة بعد مرور أكثر من 20 عاماً على انتهاء الحرب الأهلية، علماً بأنّ للمصلحة موظّفين لا يزالون يقبضون رواتبهم حتى اليوم. يُختتم العرض بسرد شهادات سائقين قادوا آخر ثلاثة قطارات.


من الأملاك البحرية في العرض السابق «هذا البحر لي» إلى مصلحة السكك الحديدية اللبنانية والقطارات الثلاثة التي كانت تعبر لبنان منذ 1891 إلى أن توقفت أثناء الحرب الأهلية. من الواضح التزام المجموعة بمقاربة مواضيع تعني كل لبناني بعيداً عن النخبوية. بالطبع، ليس خيار تقديم عرضين في فضاء «اشكال ألوان» الأفضل، لكنّ المجموعة أكّدت لـ«الأخبار» أنّها تنوي تقديم العرض في مناطق لبنانية أخرى، ربما في طرابلس ورياق. لكن النقطة الأهم في تراكم أعمال المجموعة تبقى في التجريب ضمن قالب المحاضرة الأدائية الذي اختارته كوسيلة عرض. تنطلق «مجموعة الدكتافون» في عملها دائماً من بحث معمّق، ويهدف العرض إلى إيصال معلوماته ضمن قالب فني. في «هذا البحر لي»، كانت المؤدية تانيا الخوري تجول ضمن زورق مع أربعة مشاهدين/ مشاركين في موازاة شاطئ بيروت. خلال الرحلة البحرية، قدمت للجمهور كل المعلومات، لكنّه شاركها في تظاهرة بحرية وخرق الأملاك «الخاصة» وسبح فيها.

أما في «تصريح»، فلا وجود لطاولة تجلس المؤديات خلفها ليتوجّهن إلى الجمهور، رغم توفر الصالة المقفلة والكراسي والفيديو، وهي العناصر المعتمدة عادة في المحاضرات الأدائية. كما تم تقسيم الجمهور وتوزيع مقاعده ربطاً بالموضوع المطروح، ووزعت ورقة عليه تظهر مسار القطارات وإرشادات السفر التي تتوسع لتطال التعامل مع الراكب (المشاهد) المجاور والابتسام له. خلال العرض، كانت المؤديات يكتبن ملاحظات على الخريطة الموضوعة على الأرض ويلصقن إشارات تُمكّن الجمهور من تفقدها في نهاية العرض، وكتابة حكاياته الخاصة عليها. في بعض المحطات، طلب من أفراد من الجمهور المشاركة في أداء بعض النصوص، رغم أنّه يمكن استثمار تلك العناصر وغيرها أكثر وتوظيفها بشكل أعمق ضمن تركيبة العرض، إلا أنها تفتح المجال أمام تجريب أوسع في قالب المحاضرة الأدائية. تبقى الموسيقى (تأليف أحمد خوجا وخيري عبيش) وبعض اللحظات الشاعرية في النص النقاط الأضعف، فالموضوع بحدّ ذاته يحمل كمّاً كبيراً من النوستالجيا الكامنة في مشاهد محطات القطار المهجورة، علماً بأن المجموعة نجحت في تفادي لحظات البكاء على الأطلال، وحوّلت المشروع إلى بطاقة سفر على طول السكك الحديدية في المنطقة لإعادة ربطها ولو بالخيال. يبقى العرض الذي قدم في بيروت المرحلة الأولى في المشروع الذي سوف يتم توسيعه من خلال بحث ميداني إضافي، إذ تنوي المجموعة تطويره ونقله إلى المناطق والبلدان التي شهدت امتداد السكك الحديدية.



"بي إس لاب" يحاور الفضاءات




تأسست شركة "پي إس لاب" PSLAB في بيروت بهدف تطوير مفهوم الإضاءة المستعملة في الفضاءات الخاصة كما العامة. اليوم، أصبحت مشاريع الشركة موزعة ما بين منازل غالباً ما تكون في لندن، ومعارض فنية في بيروت، ومطاعم في روما، وفنادق في باريس، ومكاتب في برلين، وفي مساحات عامة حول العالم. لا تقتصر مشاريع پي إس لاب على اختيار الضوء المناسب للمكان المناسب، بل تأتي نتيجة لحوار مطوّل ما بين فريق العمل والزبون الذي يتحول إلى شريك في عملية الخلق. هكذا، تقدم الشركة خدمة متكاملة وخاصة لكل فرد وفضاء ومشروع، تبدأ بدراسة الفضاء، ثم الخلق، ثم التصنيع، وتنتهي بالتركيب.


منذ تأسيس الشركة في 2004، استطاع ديمتري الصدّي، مؤسسها ومديرها، أن يوسعها، حتى بات فريق الشركة اليوم يضم أكثر من 100 موظف، إضافة إلى مكاتب موزعة في كل من بيروت وشتوتغارت، بولونيا وأوسلو، هيلسنكي وسنغافورة. علماً أن عملية التصنيع بمجملها تجري في بيروت. في إطار مشاريعها المختلفة، تتعاون "پي إس لاب" مع أسماء معروفة في عالم الهندسة والتصميم. هكذا، تعاونت مع المعماري اللبناني برنارد خوري لإضاءة درج يتوسط مساحة بيت خاص في بيروت. فجرى تصميم إضاءة تتدلى من وسط السقف على شكل دائري بموازاة الأدراج، مع وصلات معدنية متفاوتة الطول، موحية بشكل لولبي يحاور شكل الدرج.



كذلك في مطعم پيار لويجي Pier Luigi في روما، كان الهدف مجاراة إعادة ترميم المطعم على يد المعماري بيار جيورجيو أنطونيتي Pier Giorgio Antonetti. هكذا تمت المحافظة على خصوصية الأقسام الجانبية في المطعم وحميميتها بالرغم من كثافة الإضاءة المستعملة. لإبراز أهمية طاولة رفيعة طويلة تتوسط المطعم، وبارَهُ، جرت إضاءتهما عن قرب بخط موازٍ لهما مؤلف من مصابيح كثيرة متدلية من السقف. 


أما في كافيتريا مركز باربيكن للفن في لندن، حيث القوانين المحافظة على القيمة المعمارية للمكان تمنع ثقب الجدران، فقد جرى استحداث رفوف معدنية تتوسط المساحة العامة وتفصلها إلى أقسام وُزِّعت عليها جِرارٌ زجاجية تستعمل عادة لتخزين الزيتون، بحيث تم تطويعها لتحتوي الإضاءة. خلال أسبوع التصميم الذي احتضنته ميلانو في عام 2009، تعاونت پي إس لاب مع پيوأرش ميلان PIUARCH (ستوديو معماريين وتنظيم مدني) لإعداد تجهيز ضوئي مؤلف من حوالي 750 غالون تمت إضاءتها من الداخل لتشكل جداراً ارتفع أمام واجهة أحد المباني في ميلانو. أرادت پي إس لاب أن يسائل هذا الطرح أهمية تصميم وتصنيع قوالب جديدة للإضاءة، مقابل إعادة تدوير واستعمال مواد وأدوات موجودة، من خلال إعطائها حياة أخرى عبر استعمالات جديدة. اليوم، وبعد أقل من عشر سنوات على تأسيس پي إس لاب، يتطلع ديمتري الصدّي إلى توسيع أفق العمل والبدء بتصميم المفروشات أيضاً!


رائد ياسين مقلّباً ألبوم العائلة


قبلة، عيد ميلاد، حفلة تنكّر، رحلة في الطبيعة... لقطات اختار الفنان اللبناني أن يعيد تطريزها على لوحات أشبه بالصور الفوتوغرافية القديمة. معرضه الجديد Dancing Smoking Kissing في «غاليري رانينغ هورس» عبارة عن فسحة تجمع بين الواقع والذكريات والخيال
صور العائلة المطرّزة على القماش المزركش تحتل المعرض المنفرد الجديد Dancing Smoking Kissing للفنان اللبناني رائد ياسين (1979) في «غاليري رانينغ هورس». هكذا اختار ياسين أن يعيد تجسيد لحظات من تاريخ العائلة ضمن كل عمل: قبلة، عيد ميلاد، حفلة تنكر، رحلة عائلية في الطبيعة... لقطات اختار الفنان أن يعيد تطريزها على لوحات أشبه بالصور الفوتوغرافية القديمة. يمثّل القماش المزركش بالزهور والأنماط، المساحة الخلفية للوحة. فوق القماش، قام الفنان بتطريز المشاهد. طرح بسيط ومباشر ولا حاجة إلى فلسفته، ولّد أعمالاً فنيةً جميلة. عند دخولك المكعب الأبيض لصالة «رانينغ هورس»، تجد اللوحات موزعة على الجدران الثلاثة حولك، كما كانت توزَّع الصور الفوتوغرافية قديماً داخل ألبومات الصور. تتداخل اللوحات مع بعضها بعضاً في مساحة الجدار بطريقة غير متماثلة، لكن متناسقة. حتى إنّ ياسين أعطى أعماله شكل الصور الفوتوغرافية القديمة، المستطيلة والمربعة ذات الزوايا المدورة. لكل لوحة قماشها، وفوقها التطريز المنفذ بواسطة ماكينات مبرمجة على الكومبيوتر.
يستعيد رائد ياسين تلك الصور الفوتوغرافية من ماضٍ تلاشى. لا وجود لتلك الصور الفوتوغرافية حالياً، فمنها ما ضاع خلال تنقل العائلة من بيت إلى آخر، ومنها ما احترق خلال الحرب، ومنها ما لم يكن في الاصل. في تلك المساحة بين الواقع والذكريات والخيال، يجول رائد ياسين لينتج صوراً في الحاضر عن ماضٍ اختفى أثره. بعض اللحظات يتذكرها، أو يتخيلها، أو يستعين بقصص اقاربه عنها ليعيد تركيبها اليوم في أعماله.
تلك الرحلة من الصور الفوتوغرافية إلى التطريز في أعمال فنية، تعيدنا إلى تجربة فنانين تشكيليين حول العالم في الرسم الـ «ما فوق واقعي» Hyper Realistic. فنانون لجأوا إلى تقديم لوحات زيتية تتميز بالدقة التي تحملها عادة الصورة الفوتوغرافية. حتى إنّ أحد أشهر الفنانين من الذين اعتمدوا ذلك الأسلوب، أي الفنان الألماني غيرهارد ريختير، قام أخيراً بإعادة التصوير فوتوغرافياً للوحات كان سبق أن رسمها عن صور فوتوغرافية، ليعيد مساءلة جميع تلك الوسائط. وإن كان الرسم بالألوان الزيتية يتضمن مشقة أكبر بكثير من التقاط صورة فوتوغرافية، فإنّ التطريز كذلك، لكنّ رائد ياسين اختار أن يطرّز صوره عبر آلات مبرمجة على الكومبيوتر، تطريزاً إلكترونياً يحيلنا على الصورة الرقمية.

تتحوّل الحبكات غير المنتهية في كل عمل إلى ما يشبه Pixels الصورة الرقمية، التي تدعوك إلى الاقتراب منها لتكتشف تفاصيلها، كما اختار رائد ياسين أن يقدم في معرضه لوحتين مكررتين ومتطابقتين. خيار يعيدنا إلى مفهوم الصورة الفوتوغرافية التي يمكن سحب نسخ عديدة من النيغاتيف الواحد العائد إليها، لكنّه في الوقت ذاته ينتقد قدسية العمل الفني، الذي لا يمكن تكراره، وخصوصاً أنّ الأعمال المقدمة في المعرض جرى تطريزها بواسطة برمجة على الكومبيوتر، ويمكن تنفيذ نسخ عديدة منها.
جميع تلك القراءات وغيرها جائزة في معرض «رقص وتدخين وتقبيل»، لكن تبقى قوة العمل الجديد لرائد ياسين، أنه يمكن لزائر المعرض أن يتناسى جميع تلك التفاصيل المفاهيمية، وأن يستمتع فقط بجمالية الأعمال المعروضة... فعل أصبح نادراً في عالم الفن المعاصر.


نشر في جريدة الأخبار 




الأقصى أم فلسطين؟




ما زالت القضية الفلسطينية تنعكس في أعداد هائلة من الصور الإعلامية المتلفزة والإلكترونية والفوتوغرافية التي تقدم إلى الرأي العام العربي والعالمي دليلاً موثقاً عن إجرام الإسرائيليين، وفيها يظهر العنف الجسدي والمعنوي ضد الفلسطينيين، ونجد صوراً تعتمد الرمزية في إشارتها للقضية وأحقيّتها. لكن صورة فلسطين اليوم التي اختار تداولها العرب، صورة مختزلة.

نبحث في محرك غوغل ضمن قائمة الصور عن فلسطين، بعد تخطي صور الأعلام الفلسطينية، وصوراً لإسرائليين يعنفون فلسطينيين، نجدها متجسدة في صورة لمسجد قبة الصخرة، مع بعض النواحي لمدينة القدس في الخلفية التي تبقي المسجد في بؤرة الصورة، كما يظهر في بعضها الجامع القبلي. أما نتائج بحث كلمة ”القدس“ فمختزلة بصور لمسجد قبة الصخرة. إنه الصورة وهو المشهد الفلسطيني الإلكتروني. يعتبر مسجد قبة الصخرة مع الجامع القبلي من أهم معالم المسجد الأقصى، الذي يمثل معلماً مقدساً لدى المسلمين، لكونه أولى القبلتين، وأحد المساجد الثلاثة التي يشدّ المسلمون الرحال إليها مع المسجد الحرام والمسجد النبوي الواقعين في المملكة العربية السعودية. علماً أنه إذا بحثت في محرك غوغل عن ”المملكة العربية السعودية“ فلن تجد صوراً تُذكر للمسجدين الحرام والنبوي، خلافاً لصورة المسجد الأقصى التي تختزل فلسطين والقضية الفلسطينية.

منذ سنوات طرحت فرضيّة أن إسرائيل وراء نشر وتداول هذه الصورة لأنها تريد أن تقنع العالم  بأن مسجد قبة الصخرة هو المسجد الأقصى. فيختلط الموضوع على الرأي العام، ويسهل بذلك على إسرائيل هدم أسوار المسجد الأقصى المتبقية، لإعادة بناء هيكل سليمان. لكن في الواقع كثير من العرب والمسلمين يختلط عليهم الأمر، وذلك لأسباب عدّة، منها أن القبة الذهبية لمسجد قبة الصخرة هي الأكثر بروزاً بين ما تبقى من آثار المسجد الأقصى، لذا يسهل تحديدها، بالإضافة إلى لجوء ”قناة الأقصى“ التلفزيونية وكتائب "الأقصى“ إلى اتخاذ مسجد قبة الصخرة شعاراً لهما. حتى لو كانت إسرائيل فعلاً وراء نشر الصورة، فإن العرب قد أمسكوا بها، تلقفوها، تبنوها وتداولوها.

قد تحاول الصورة بطريقة أو بأخرى تحفيز المسلمين على مناصرة القضية الفلسطينية والدفاع عن أحد أهم المعالم المقدسة في الإسلام. بذلك يتمّ استثمار البعد الديني لأرض فلسطين وكونها أرض مقدسة، لجعل القضية الفلسطينية، قضية مقدسة. علماً أن المسجد الأقصى ليس المعلم المقدس الوحيد على أرض فلسطين، ولا حتى في القدس. بنى المسيحيون  أولى المعالم المقدسة في تلك الأرض التي ولد وعاش وبشر ومات فيها السيد المسيح وأهمّها كنيسة القيامة. لكن لا نجد صوراً تستثمر البعد الديني المسيحي لنصرة القضية الفلسطينية.  وذلك قد يعود إلى تاريخ الكنيسة بقطبيها الأكبرين :الكاثولكية والأرثوذكسية مع القضية الفلسطينية، وإسرائيل، بمنأى عن دور مسيحيي فلسطين والشرق المقاومين الذين كانوا دائماً وما زالوا جزءاً أساسياً من مقاومة إسرائيل.

إن الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، التي قادت الحروب الصليبية في القرون الوسطى والتي كانت تهدف إلى تحرير الأرض المقدسة من سلطة الدولة الإسلامية، تتخذ اليوم موقفاً مشابهاً لموقف أوروبا من إسرائيل، بحيث تعتبر نفسها مسؤولة جزئياً عن اضطهاد اليهود في أوروبا. من هنا يأتي موقفها من القضية الفلسطينية ممزوجاً بشعور الذنب. ففي العام 1998، تقدم البابا يوحنا بولس الثاني باعتذار رسميّ من اليهود ودولة إسرائيل لعدم قيام الكنيسة بحمايتهم عقب المجازر التي تعرضوا لها في أوروبا كما قام بزيارة إسرائيل وعمل على بناء علاقات ديبلوماسية وطيدة بين دولة إسرائيل ودولة الفاتيكان. أما الكنيسة الأرثوذكسية في القدس، التي تعتبر من البطريركيات الخمس الأولى المؤسسة للكنيسة الأم، فلا يزال يجلس على كرسيها منذ القرن السادس عشر بطريرك يوناني وليس عربياً فلسطينياً، ما يعيدنا إلى السياسة الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية وإسرائيل. علماً بأنه في العام 2005، وإثر مجمع مقدس لبطريركية الروم الأرثوذكس في القدس، تم عزل البطريرك إيرينيوس الأول إثر فضيحة بيع أراضٍ لمستثمرين إسرائيليين في القدس القديمة، تعود ملكيتها للكنيسة. إن اشكالية العلاقة  ما بين سلطة الكنيسة والقضية الفلسطينية، قد تكون السبب في غياب استثمار البعد الديني للأرض المقدسة كجزء من القضية. أمّا مسيحيو فلسطين والشرق، فكانوا في معظم الأحيان قادة ومنضوين في صفوف المقاومة الوطنية ولم يلجأوا إلى استثمار الدين في حركة المقاومة.

في المقابل نجد رابطاً وثيقاً ما بين الدين الإسلامي والقضية الفلسطينية. وذلك الربط، القديم الجديد، منذ عصور الفتوحات الإسلامية، مرّ بغلبة النزعة القومية العربية على منطق الدفاع عن أرض فلسطين في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، إلى أن عادت النزعة الدينية  إثر هزيمة الدول العربية في وجه إسرائيل وتبدد حلم الوحدة العربية. فتحول الدافع وراء تحرير فلسطين بشكل كبير من كونها أرض عربية، إلى كونها أرض مقدسة. حتى إن أبرز حركات المقاومة اليسارية والقومية، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية تراجعت لتحتل الصدارة مكانها، فصائل الأقصى والمقاومة الإسلامية. 

بالطبع إن تلك التحولات من الدافع القومي إلى الدافع الديني، هي نتيجة لعوامل اجتماعية وسياسية واستراتيجية كثيرة ومعقدة لا مجال للدخول فيها الآن. أمّا هيمنة صورة مسجد قبة الصخرة على أي صورة أخرى لفلسطين، فتثير الكثير من الأسئلة حول موقع القضية الفلسطينية اليوم عند العرب، وربطها بالدافع الديني. هل غلبت صفة الأرض المقدسة على ما عداها كمثل صفة الظلم الذي يتعرض له الإنسان الفلسطيني، وحقّه بأرضه؟ ماذا يحصل إذا تمّ التوصل يوماً إلى اتفاق يحيّد أرض المسجد الأقصى عن الصراع؟ أم أن قضية تحرير فلسطين وصلت إلى حائط مسدود فوجب استعمال الورقة الأخيرة، ورقة الدين، والأرض المقدسة، لتبقى واجباً دينياً وحاضرة في وجدان المليار ونصف مسلم في العالم؟ أسئلة في رسم العرب،  مسلمين ومسيحيين ويهود ومواطنين.

نشر في رصيف ٢٢