شيرين وعلي يبحثان عن جسد للحبّ





في فضاء «جانين ربيز»، التقى علي شري وشيرين أبو شقرا في تجربة فريدة حملت عنوان «جسد ما للحب» (Some Body To Love). والنتيجة زمانان محفوفان بالرومانسية والنوستالجيا.

لم تكن مواضيع الجسد والصورة والهوية يوماً بعيدة عن أعمال الفنانين شيرين أبو شقرا وعلي شرّي. وها هما يلتقيان اليوم في معرض مشترك ليبحثا عن «جسد ما للحب» (Some Body To Love) في «غاليري جانين ربيز». في المعرض، انفرد كل منهما بتصميم تجهيز فني لجسد هجين. انطلاقاً من هذا التجهيز، طوّر كل منهما خمس لوحات. درست شيرين أبو شقرا التاريخ والعلوم السياسية في «جامعة القديس يوسف» في بيروت، قبل أن تكمل دراستها في «استوديو فيرنوا للفن المعاصر» في فرنسا. أخرجت أفلاماً قصيرة عديدة منها «مسافة السكة» (٢٠٠٩) وتعمل حالياً على فيلمها التحريكي الطويل الأول «حتى الحمار يندم». أما علي شرّي، فقد درس فنون العرض في جامعة «داس آرت» في هولندا، ويشتغل بوسائط فنية عديدة، منها الفيديو، والتجهيز والمنحوتات. ومن أعماله الأخيرة معرضه «صور رديئة رديئة». استعملت أبو شقرا أغراضاً جمعتها من بقاع مختلفة من العالم: لبنان، سوريا، مصر، إيطاليا، اليابان... لتؤلّف منها مجسماً لشخصية ثابتة في فضاء المعرض، لا يتحرك فيها سوى العينين، وطابة زهرية صغيرة في موضع الفم.

من هيكل «مانيكان» ومعادن وخشب وثياب وأغراض عديدة، يتشكل الجسد الهجين الذي تقترحه شيرين أبو شقرا، جامعاً الهويات الثقافية المتعددة لأغراضه التي تحوّلت إلى أعضائه. الجسد موصول عبر سلك حديدي بعلبة مفتوحة إلى جانبه. في داخل العلبة قطن وأسلاك ملكوكة كمصارين المعدة. يهيأ لنا أنّ تلك العلبة بإمكانها أن تتحول إلى بيت الشخصية المتصلة بها، فتحتويها وتحملها لتنتقل بها من مكان إلى آخر، مضيفة أبعاداً جديدة إلى التركيبة الهجينة للشخصية. في المقابل، جهّز علي شرّي شخصيته من مجسم مؤلف من معدن وشاشات وشرائط كهربائية. ثبتّ شرّي شاشات مكان الرأس، الصدر، أسفل اليدين والقدمين، وواحدة أخيرة في الظهر تعرض الصورة الملتقطة من كاميرا ثبتت في عنق المجسم.
على تلك الشاشة الخلفية، يمكننا رؤية ما تشاهده تلك الشخصية أمامها، حيث تظهر الشخصية الأخرى لأبو شقرا، وزوار المعرض المارين من أمامها. أما على الشاشات الأخرى، فتتوزع فيديوهات تظهر دواخل الجسد البشري عبر صور الاشعة السينية وتقنيات أخرى. على الحائط، لوحات خمس صنعتها شيرين أبو شقرا عبر كولاج من صور التقطها علي شرّي لمجسمها مع صور أخرى لأماكن حول العالم وخرائط ولوحات ورقية، طبعتها على أوراق خشبية. ويعرض علي شري صوراً فوتوغرافية يستند فيها إلى صور لأعضاء جسدية ملتقطة عبر الأشعة السينية.

يتمحور المعرض حول تلك التركيبة الهجينة التي تجمع مواد مختلفة من قماش إلى أسلاك إلى شاشات لتخلق عالماً ثالثاً خارج الشخصيتين المطروحتين في المعرض. مثلما اجتمع الفنانان بحثاً عن جسد ما للحب، تبحث هاتان الشخصيتان عن تجسيد ثالث خارجهما. وربما وجد الفنانان ذلك التجسيد في الصورة كوسيط فني أمّن فضاءً ومادة مختلفة يتجلّى فيه تمازج الشخصيتين. شخصية أبو شقرا تصبح مادة الصورة التي تنتجها شخصية شرّي، لكن الرومانسية المسيطرة على المعرض تقف عائقاً أمام تطور طروحاته، فتغرقه في ثقل مراجعه الثقافية الهجينة. تجهيز ولوحات شيرين أبو شقرا يوحيان بنفحة باروكية ممزوجة بالبوهيمية، بزركشتها وفوضويتها وحلمها. أما علي شري، فيعيدنا بشاشات موزعة في كل مكان وأسلاك كهربائية ضمن شبكات عنكبوتية، ونوعية صورة بالاشعة السينية، إلى الانبهار الطفولي الأول بعالم التكنولوجيا. الزمانان محفوفان بالرومانسية والنوستالجيا إلى زمن يتوق إلى خلق حالة من الحلم أو الخيال، يبحث خارج الملموس عن ملجأ للحب. رغم أن البحث عن جسد ما للحب وسط جميع تلك المواد العضوية والإلكترونية هو أمر مشوّق، ورغم أن الأغراض التي أنتجها البحث تتمتع بجمالية حالمة، إلا أنّ الفنانين لم يتمكنا من الوصول فعلاً إلى خلق فضاء ثالث بينهما... كأنهما قدما مرحلة من البحث يمكنها أن تتطور وتتخمر أكثر لتصل إلى مبتغاها. تبقى تجربة تقديم معرض مشترك بين فنانين معاصرين، تجربة مشوّقة ومطلوبة جداً رغم تعقيداتها.










ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق