جولة إيكزوتيكية على حق العودة




لمّا شفتك
فلسطين، 2012، ملون، لغة عربية، ساعة و33 د.

المخرجة وكاتبة السيناريو: آن ماري جاسر / المصورة: هيلين لوفار
الممثلون: محمود عسفة (طارق)، ربى بلال (غيداء)، صالح بكري (ليث).
الجوائز:
جائزة NETPAC لأفضل فيلم آسيوي/ مهرجان برلين السينمائي 2013
جائزة لجنة التحكيم/ مهرجان القاهرة السينمائي 2012
جائزة لجنة التحكيم/ مهرجان وهران للفيلم العربي 2012
جائزة دون كيشوت للنقاد/ مهرجان قرطاج السينمائي 2012
جائزة أفضل فيلم عربي ضمن مسابقة آفاق جديدة/ مهرجان أبو ظبي السينمائي 2012 



إنها الأردن عام 1967، مضت أيام قليلة على وصول طارق (محمود عسفة)، 13 سنة، وأمه غيداء (ربى بلال) إلى مخيم مؤقت للاجئين الفلسطينين. ما بين رفضه الواقع الجديد، وكرهه لأستاذ المدرسة في المخيم، وتعرّفه على لاجئين أمضوا حوالي 20 سنة حتى الآن في ذلك المخيم المؤقت، يزداد طارق إصراراً بالعودة إلى الديار، وملاقاة أبيه الذي بقي في أرض فلسطين. إلا أنه، في إحدى الصباحات الباكرة، سوف يحمل حقيبته ويغادر المخيم دون علم والدته. وكما علّمه والده مرة سوف يتبع موقع مغيب الشمس، إذ أن الديار تقع هنالك. هكذا تنطلق رحلة طارق في مشوار العودة، في الفيلم الطويل الثاني "لمّا شفتك" للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، بعد فيلمها الأول "ملح هذا البحر". رحلة سوف يتوه فيها طارق ليجده شاب فدائيّ: ليث (صالح بكري)، نائماً في العراء فيقوده معه إلى مخيم التدريب في إحدى الغابات. بعد بحث طويل، تجد غيداء إبنها في مخيم الفدائيين يتدرب معهم للعودة إلى فلسطين ورافضاً العودة معها إلى مخيم اللاجئين. ما بين التدريبات وسهرات الليل، والرغبة المتزايدة بالعودة إلى الديار ومجريات الحرب، تتواصل الأحداث. هل يحقق فعلاً طارق حلمه بالعودة إلى الديار؟ نترككم لمشاهدة الفيلم.
يتميز فيلم "لمّا شفتك" في مقاربة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خارج اللأراضي الفلسطينية. فأحداث الفيلم تجري جميعها في الأردن ما بين مخيم اللاجئين في القسم الأول ومخيم الفدائيين في القسم الثاني، فيما أرض فلسطين التي هي موضوع الفيلم وجوهره غائبة عن الصورة. أما الميزة الأهم في خيار الكاتبة والمخرجة جاسر، أنها تروي قصة اللاجئين وقضية شديدة التعقيد على لسان طفل ومن منظوره. تخيم على الفيلم تلك النية البريئة لطفل غير قادر على استيعاب عبثية عالم الكبار وتعقيداته، فيما الطلب بسيط جداً بالنسبة له: العودة إلى الديار وملاقاة أبيه. وبذلك تحيلنا جاسر عبر فيلمها الجديد وبعد أكثر من ستين سنة على الصراع العربي الإسرائيلي إلى الحق الأولي والبسيط الذي ما زال الفلسطيني محروماّ منه: العيش مع عائلته على أرضه.
لطالما شهد االفن السابع لجوء السينمائيين إلى عالم الأطفال لطرح معضلات سياسية وإجتماعية كبيرة، في لغة مبسطة تعيد تذكيرنا بأمور أساسية، بعيداً عن تعقيدات السياسة. تحفل السينما الإيرانية بأمثلة كثيرة مع مخرجين مثل عباس كياروستامي ومجيد مجيدي وسميرة مخملباف ... الذين صوروا عدة أفلام من بطولة أطفال، طارحين عبرها مشاكل عميقة ومعقدة يعاني منها المجتمع الإيراني. كما نذكر مقاربة الحرب الأهلية اللبنانية من منظار الأطفال في فيلم "بيروت الغربية" لزياد دويري، وفي "زوزو" لجوزيف فارس. وتجدر الإشارة إلى أنه الدور السينمائي الأول للطفل محمود عسفة الذي قدم آداءً بارعاً، فيما عمل صالح بكري مع آن ماري جاسر سابقاً في فيلمها الأول "ملح هذا البحر".
وإن نجحت جاسر بمقاربة موضوع حق العودة، المتداول كثيراً في السينما الفلسطينية والعربية، ضمن سياق جديد عبر حكاية طفل، إلا أن بعض الخيارات الفنية والسياسية في "لمّا شفتك" تثير بعض التساؤلات. إن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم لم تتحقق بعد. إذاً موضوع الفيلم ما زال مستجداً ومطروحاً اليوم. لكن لماذا قررت مخرجة فلسطينية معنية بشكل مباشر بحق العودة والفدائيين أن تتناول هكذا موضوع في عام 1967 بالتحديد؟ هل لأنها أرادت أن تتفادى تعقيدات الأحداث  التي أصابت الفدائيين خلال السنين التالية، خاصة في الأردن؟ أم أنه مجرد افتتان "إكزوتيكي" بزمن السيتينيات وأزيائه، ونمط العيش فيه الذي لم تعشه المخرجة، والذي جعل الفيلم يتخذ ذلك الإطار الزمني غير المسيّس والمفصول عن التاريخ؟ علماً أن الفيلم يخلو من أية مراجعة تاريخية، أو نقدية لأي من عناصر الفيلم، وكأنه لم يمر أكثر من 40 سنة. لذلك تأتي النتيجة فيلماً تاريخياً، رومنسياً، درامياً، يروي قصة ولد لاجئ فلسطيني قرر العودة إلى الديار، وفي الخلفية بلد يدعى الأردن، ومخيمات للاجئيين وفدائيين فلسطينيين يتدربون للقتال أحياناً، ولكن في معظم مشاهدهم يتحلقون حول النار ويغنون ويرقصون ويلعبون ورق الشدة.
للكاتبة والمخرجة آن ماري جاسر حقها في تصوير أفلام غير مسيسة وتجارية، حتى ولو كانت أفلاماً مستقلة، وليس على جميع الفنانين الفلسطينيين والعرب أن يقدموا أفلاماً ملتزمة بالقضايا السياسية الكبرى. ولكنه ايضاً من حقنا أن نطالب مثقفينا بأن يكونوا أكثر نقداً من سياسيينا، وأن يسألوا على لسان الأطفال ربما، الأسئلة الموجعة التي لا نجرؤ على طرحها في العلن، مثلما فعل زملاؤهم السينمائيون الإيرانيون من قبلهم. نعم، حلم الطفل طارق عام 1967 بأن يعود إلى دياره، لكنه لم يعد حتى اليوم. فهل فعلاً إن إسرائيل هي السبب الوحيد وراء ذلك؟  

نشر في رصيف ٢٢





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق